مصر يابا يابو حمادة

 

“بني هذا الوطن وبنوه.. ما عدش باقي شيء تبكوه”

ده مطلع أغنية ثورية جديدة لمطرب الثورة رامي عصام، الراجل عامل مجهود يشكر عليه وشايل الثورة على كتافه.. هو ده بقى صوت الثورة الراديكالي اللي بيمثل جيل الشباب اللي بيكسر المفاهيم القديمة بتاعة العواجيز.. يا أخي أحا!

https://www.youtube.com/watch?v=6PXdJ8SFGJI

“بني هذا الوطن وبنوه”

النحو بيقول إن جمع (ابن) أصله ( بنو ) بفتح الباء والنون ، لأنه يجمع جمع مذكر سالماً على ( بنون ) ، وبنين رفعاً ونصباً وجراً .

طب وبالنسبة للامؤاخذة نسوان الوطن.. إيه بقى؟ مش هنتكلم حتى على متنوعي النوع والكلام التقدمي ده.. خلينا في المفهوم البدائي للجندر اللي بيقسم البشر لستات ورجالة.. فين دين أم الستات من الكلام ده؟ فين دين أم الستات من الثورة أساساً؟

بيكمل رامي عصام بعد المطلع المبهر ده ويغني عن الظلم والحجارة والسلاح لحد ما نوصل للمقطع الذروة اللي متاخد منه عنوان الأغنية :

 “يا إما تشمروا الإكمام عشان تاخدوه .. يا إما توطوا على قدام عشان تاخدوه”

وللي مسمعش الأغنية أو مفهمهاش (برغم من إنها مباشرة لدرجة السخافة) فـ “تاخدوه” الأولانية راجعة علي الوطن بمعنى “تسترجعوه” أما “تاخدوه” التانية فراجعة على البعبوص أو الزبر بمعنى “هتتناكوا زي الخولات والنسوان”.. الحمد لله لقيت إشارة للنسوان في الأغنية!

أحب أكرر مرة تانية.. يا خي أحا!

الأغنية بما لا لبس فيه بتخاطب الرجالة وتحثهم على التحلي بالرجولة (بإعتبار الرجولة دي مجموعة من القيم والصفات الشخصية اللي بتنزل باي ديفولت مع كل مولود ذكر) وبتقولهم خليكم رجالة يا إما هتبقوا زي استغفر الله العظيم النسوان.. أو الخولات.

فكر ثوري ثوري الحقيقة.

نموذج تاني قديم شويتين، فاكرين أغنية كايروكي بتاعة “مطلوب زعيم يكون دكر؟”

ياخي أحا!

أظن فكرتي وصلت..

بس إحقاقاً للحق مينفعش نحمل رامي عصام وكايروكي لوحدهم (هم والشعراء اللي بيكتبولهم طبعاً) مسؤولية الخطاب المتخلف “للفن الثوري” فيما يخص التعامل مع المرأة (مش هنتكلم حتى عن رهاب المثلية في الأغنية ده مستوى متقدم قوي إحنا لسة يا دوب بنحاول نوصل إن “الستات” مش شتيمة!) . فلحد دلوقتي مفاهيم البطولة والجدعنة والمقاومة بشكل عام مرتبطة  بفكرة “الرجولة”، وده واضح في أفكار وممارسات الثوار نفسهم وتعاملهم مع الستات حتى لو بمنطق الحماية.

“إرجعي ورا يا أبلة عشان متتعوريش”

“مش عايزين حريم هنا عشان ميتعوروش”

كتر خيرك يا برنس أنا متشكرة قوي إنك حاسس إنك مسؤول عني بدون دين أم مناسبة، بس الحقيقة الطوب اللي نازل فوق دماغنا زي المطر مش هيعورني زيادة عنك، زبرك المتين مش بيطلع غلاف واقي شفاف بيصد عنك الطوب وأنا لأ.

في الوقت ده وكل الناس محبطين وبيقاوحوا إذا كانت الثورة فشلت ولا لسة، لما بأفكر في تعامل معسكر الثورة مع النسوية وقضايا الجندر سواء من خلال ممارسات الثوار أو الفن اللي بتنتجه الثورة بأحس بإحباط شديد وبأقول بثقة الثورة دي فشلت، وهتفضل فاشلة ومفيش حاجة عدلة هتحصل طول ما معسكر الثورة رافض يطور مفاهيمه وخطابه فيما يخص القضايا دي وبيعتبرها شكليات وقضايا ثانوية أو عكننة نسوان فاضية.

طول ما الرفاق الثوار تكون هتافاتهم من نوع “عامل أسد في الصينية وعالحدود عامل ولية”، و يزعقولنا كل ما يشوفونا “الحريم ترجع ورا” ، ولما نتكلم عن التحرش والاعتداء الجنسي الجماعي فيكون رد فعلهم “ما تبوظوش سمعة الميدان” وبعد ضغط مننا وغلاسة يكون رأيهم “خليكم جوة الكردون” و “مينفعش البنات تنزل تحارب التحرش”، لما اعتصام تتمنع فيه البنات من شرب السجاير والبيات عشان “منشوهش صورة الاعتصام” يبقى الثورة ما نجحتش. وطول ما الفن اللي بينتجه معسكر الثورة محصور في إنه  “بيتكلم عن الثورة” من غير ما يكون في تثوير حقيقي للقوالب والأشكال والمضمون والخطاب، طول ما الفن اللي المفروض يكون بيقدم خطاب ثوري يكون “بني الوطن وبنوه” و”مطلوب رئيس يكون دكر” و”ما أحنا سبايا وراحو أهالينا”، طول ما الكاريكاتير الثوري بيصور العدالة رقاصة والقضاء ماسكلها الصاجات، طول ما مصر لسة بهية بطارحة وجلابية وعايزة رجالة جدعان ينقذوها تبقى الثورة بالنسبة لي عمرها ما هتنجح.

إحنا مش اكسسوار تستخدموه عشان شكل الثورة يطلع حلو في الكاميرا، إحنا مش فرصة تحسنوا بيها شكلكم باستغلال قضايانا عشان تكسبوا أصوات لأحزابكم، إحنا مش “حرائر” ولا “سبايا” ولا “ضحايا” تولولوا علينا لما واحدة مننا تتصاب أو تستشهد عشان تقولوا شوفوا النظام بيقتل “حتى البنات”، إحنا مش “حتى البنات” إحنا رفيقات نضال زينا زيكم، إحنا مش عبء عليكم إنتم إللي عبء علينا لأننا مش بس لازم نحارب النظام بجبروته ولكن كمان مضطرين نحاربكم من أجل حقنا في المشاركة في المعركة كتفنا في كتفكم.

انطباعات عن الوقفة النسائية – Reflections on the Women’s Protest

في تلك اللحظة تملكني شعور مضاعف بالقهر. الى جانب قيادات الشرطة التي تجمعت على الناحية المقابلة لنا من الشارع في تهديدٍ واضح، ظهر كوردون مفاجى “للحماية” من بعض الفتية والشباب، و اللذي يصغرني بعضهم بأكثر من عشرة أعوام.

منذ اللحظة الأولى، بعد ان اطلقت الدعوة للوقفة النسائية يوم ٢٩ يناير ٢٠١٥ احتجاجا على وحشية الشرطة ومقتل الشهيدة شيماء الصباغ وآخرين من الشهداء في أحداث ذكرى الثورة الرابعة، بدأت التساؤلات والاستنكارات والمناقشات الحادة بين منظمات الوقفة وبين جمهور الانترنت حول كون هذه الوقفة “نسائية”. لماذا ترفضن مشاركة الرجال؟ ماذا ستفعلن اذا هاجمتكن الشرطة أو البلطجية؟ ألا يمكنكن ان تقبلن فقط ان الرجال سيأتون لحمايتكن؟ الرجال سيأتون لحمايتنا؟؟حمايتنا من ماذا؟ من القبض والقتل العشوائي؟ من الرصاص الذي لا يفرق بين رجال ونساء؟ من التحرش الجنسي الذي نواجهه في الكثير من الاوقات من المتظاهرين الرجال انفسهم في صفوفنا خصوصاً أثناء الاشتباكات؟ لماذا يصعب عليكم تقبل انه احياناً نحتاج كنساء التنظيم وحدنا، بدونكم؟ ولو لمرة واحدة! ان تترك لنا مساحة ان ننتظم ونقود فعاليات شارع كنساء، في أمور ليست متعلقة خصيصاً بـ”قضايا المرأة”. وبالرغم من أني عادة لا اشجع الأنشطة الانفصالية، خصوصاً في سياق الثورة المصرية، الا انني لا استطيع تصديق كمية المهاترات والمناقشات ومحاولات الاقناع في سبيل تنظيم هذه الوقفة، وجعل هذا الاختيار، ان نتنظم بدون رجال اذا اردنا، شيء في منتهى الصعوبة. سنحميكن حتى اذا لم تطلبن هذا، سنحميكن رغما عن ارادتكن، فنحن نعرف الافضل لكن دائماً.

في اللحظة التي عبرت فيها قيادات الشرطة من النقطة التي تمركزوا فيها الى مكان الوقفة و ذلك “للتحدث الينا” عن “اننا بناتهم واخواتهم وهم فقط معنيين بحمايتنا” وجدت نفسي محاطة ببعض الرفاق والاصدقاء من الرجال واللذين كانوا ينتظرون اللحظة الجادة، اللحظة التي ينتهي فيها هذا الهراء “النسائي فقط”، اللحظة التي يمكنهم التدخل فيها لانقاذ الموقف. قال لي شاب يصغرني بعشرة سنوات ان اتراجع الى الخلف وابقى واقفة على الرصيف، وذلك في نفس اللحظة التي كان شرطي يعطيني فيها نفس التعليمات، صرخت في وجه الولد وقلت له انه ليس مرحب به هنا، أن هذه المظاهرة ليست له. ولكنه تجاهلني ولم يذهب، فقلت له أن وجوده وتصرفاته مزعج أكثر من الشرطة. رأيت حولي الكثير من الوجوه المألوفة من الرجال الذين كانوا يقفون على بعد بضعة أمتار من المظاهرة، يشاهدونها و يترقبون لحظة التدخل. شعرت بالغضب و شعرت بقلة احترامي، وان كل ما نقوم به لا يؤخد بجدية. تذكرت عندها لحظة من حياتي حينما كنت طفلة، حين كنت أقول لأمي انني أريد مساعدتها في الطبخ، فتعطيني بعض المقادير لألعب بها، وعندما يحين موعد الطبخ الحقيقي تسيطر هي على الموقف.

ما هذا التعالي يا رفاقي الأعزاء؟ لقد سئمت من ان يتم التعامل مع فعاليات المرأة كشيء كوميدي، سئمت من هذا القلق المبالغ فيه. وهذا الاهتمام المفروض علينا، والمسؤولية المفتعلة. أنا لست قريبتك، لست ابنتك، حمايتك ومساعدتك غير مطلوبة. وفرضك لحمايتك علي ما هو الا نوع آخر من أنواع الذكورية.

لبوة غاضبة

As I stood surrounded by macho young male revolutionaries—boys, really, many of them some ten years younger than me—I couldn’t help but feel utterly oppressed. Their kettle was like that of the police, but it hurt more.

From the moment a call was made for a women’s protest on Jan 29th 2015, against police brutality and the killing of Shaimaa Al Sabbagh, the conversation about why the organizers chose this tactic quickly turned into arguments. Why are you refusing to have men by your sides? What happens if the police attack you and and there are only women there? Can’t you just accept that men are here to protect you? Protect us from what? From the police’s random (or non-random) bullets that do not differentiate between men and women? From random police arrests? Or from the sexual harassment that we have often faced from our fellow protesters during riots and clashes? Why is it so difficult to accept that women want to organize alone? For once, to do an action that does not involve men? To have a small space for organizing and leading actions that are not confined to “women’s issues”? Even though I generally don’t prefer separatist actions, especially in the context of the Egyptian revolution, I am outraged by how difficult it has become to do this if we want to. We will protect you even if you didn’t ask for our protection. We will protect you against your will. We know better.

The moment the police crossed to our side of the road during the demonstration, I was surrounded by many male friends and comrades who materialised from around the protest. They had been waiting until it “got serious” and all the “women’s only” shit was over; the moment when they would be needed to interfere and save the day. I was told to get onto the pavement by a kid who was at least ten years younger than me—while a high-ranking police officer was telling me the same thing. I screamed in the kid’s face and told him that he was not welcome here, that this protest was not for him. And when he wouldn’t go, I told him that his instructions to me were more painful than those of the police. Looking around and seeing all those familiar faces standing dozens of meters away from the protest watching, waiting for the moment to step in, I really felt angry and disrespected. I felt that whatever we say is not taken seriously. Like when I was a child and I told my mother I wanted to cook something, she would let me play with the ingredients for a little bit, then come to take over when it was time to actually cook.

How extremely patronising, dear Comrades. I am sick of people taking women’s actions as a kind of comedy, and of always being so scared on our behalf. I am sick of this imposed care and assumed responsibility. I am not your family member and I am not your child. Your protection and assistance is not needed, and imposing it against my will is another form of patriarchy.

An Angry Labwa

بعد مخاض طويل

شهدت الشهور الأخيرة في القاهرة عددا من الفعاليات الثقافية ومهرجانات أفلام عالمية لاقت اقبالا جماهيريا كبيرا. سعدنا كثيرا بهذا الزخم الثقافي خصوصاً في فترة محبطة سياسياً في مصر، بالاضافة الى انها كانت فرصة لطيفة للقاء الاصدقاء والممثلين وصناع الافلام وفتح نقاشات عن الأفلام وقراءة أرآء نقدية مختلفة هنا وهناك، الا ان بعضها وفي بعض الاحيان ادى الى أن  يدخل المرء  في صراعات على شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والتوتير بسبب فيلم أو وجهة نظر او فيلم دعائي لمهرجان.

من الفعاليات التي اثارت فضولنا كان الاعلان الدولي السابع لـ”سينما المرأة” في القاهرة.  سعدنا بوجود فرصة أخرى لمشاهدة أفلام غير تجارية اوتقليدية من التي يشاهدها المرء عادة في دور السينما، الا انه اثار عددا من التساؤلات في اذهاننا.

فما هو المقصود  بـ”سينما المرأة”؟ وهل تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تصنعها النساء؟ وهل “النساء” هي عبارة عن فئة معينة؟ من تشمل هذه الفئة خاصة في مجتمع متنوع في نواحي مختلفة كالطبقة الاجتماعية، والتوجهات الجنسية، والتعليم والتربية الدينية والاجتماعية والتقسيم الجغرافي والتاريخ وغيرها على كل من الصعيد المحلي والدولي؟ ام تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تناقش قضايا المرأة فقط؟

ليس من السهل تكوين موقف واضح عن مهرجانات سينما المرأة، الا ان بعض المخرجات  فضلن ألا تعرض أفلامهن في مهرجانات خاصة بالنساء فقط، أو في مسابقات تتنافس فيها  النساء فقط. وهذا لا يعني عدم اعترافهن بوجود فرق في الفرص التي تتوفر للنساء في المجال السينمائي والذي كان منذ فترة وجيزة مجالا محصورا على الرجال، بل نرى أن تنظيم  مهرجانات لأفلام النساء هو حل مؤقت لهذه المشاكل الملحة. لذا  فاننا نشعر انه حان الوقت لفتح النقاش عن وجود هذه المهرجانات وقدرتها على تحقيق المساواة في مجال السينما, بالاضافة الى مناقشة الطريقة التي يتم فيها الحديث عن النساء وتقديمهم في فعالية كهذه.

الفيلم الدعائي للمهرجان الدولي السابع لـ”سينما المرأة”

للمهرجان فيلمان دعائيان. الاول والذي حظي بحاولي ٢٠٠٠ مشاهدة فقط، بسيط ويعكس مشاهد مختلفة من الافلام المشاركة بالمهرجان:

اما الفيلم الثاني والذي شوهد ما يقارب ٥٠ الف مرة اثار ضجة وردود افعال كثيرة في اوساط عديدة منها الاوساط النسوية المتحررة ايدولوجيا والفنانين والنشطاء. يبدأ الفيلم الدعائي الثاني بسيدة تصرخ وهي في حالة المخاض ومن ثم تحصل الولادة ويخرج من مهبلها الملصق الاعلاني للفيلم والذي يتم عرضه بكل فخر.

رأى البعض ان استخدام حالة ولادة بهذه الطريقة للاعلان عن مهرجان للافلام امر مثير للاشمئزاز والتقزز، كما ربط البعض الفيلم بالنساء والنسوية بطريقة سلبية، اذ قاموا بشتم النسوية على أساس أن هؤلاء النسويات لسن “روشين” بطريقة كافية، ورأى آخرون أن الفيديو يفتقر لأي ميول فنية فيه وأن طريقة الانتاج رديئة جدا. الحقيقة أن الفيلم الدعائي بالاضافة انه يختزل وينمط النساء وقضاياهن المختلفة بربطهن  بالرحم والإنجاب والامومة، الامر الذي هو خاطىء ومخل بحد ذاته، فانه ايضا يفتقر لاي نوع من الجمالية الفنية او لمفهوم قوي اذ انه يقتصر على تمثيله للنساء بناء على قاسم مشترك بينهن وهو المهبل والرحم، الفكرة التي تم تجسيدها في الفيلم الدعائي الذي تم صنعه للمهرجان. ومن هذا المنطلق،  نرى نحن  كمبدعات نسويات ضرورة خلق جو صحي للنقد الفني للاعمال التي تنتج في مثل هذه الفترات الثورية يتخطى الاحتفال بنا كنساء فقط وبتقييم أعمالنا الفنية على أنها جيدة وضعاً في الاعتبار أن صانعته امرأة.

عن الهستيريا والرحم

“الرحم هو حيوان يتوق لولادة الأطفال، عندما يظل غير مثمر لفترة طويلة بعد البلوغ، يشعر بالأسي وبالانزعاج الشديد ويشرد في الجسم قاطعاً ممر الهواء ليعوق التنفس وتصبح الضحية في حالة ضيق شديد وتثار كل أنواع الأمراض”

هذه الجملة التي اطلقها افلاطون قبل حوالى ٥٠٠ عام ما قبل الميلاد مرتبط بكلمة هستيريا Hysteria والتي هي مشتقة من الأصل اليوناني Hysterikos وتعني  الرحم وعليه فإن الهستريا النسائية  تشخيص طبي يختص بالنساء دون الرجال وكان سائداً لمئات السنين ولم يعد معترف به اليوم من قبل الجهات الطبية. لقرون طويلة كان الجنون والهستيريا مرتبطان بالمفاهيم التقليدية عن الذكورة والأنوثة، حيث تم تعريف المرأة السوية بالتي تتصف بالسلبية والخنوع والاعتمادية وأي حياد عن هذه المفاهيم والصفات كان يعتبر علامة من علامات الشذوذ والإصابة بالجنون، وقد تم استخدام تشخيص الهستيريا بشكل واسع للتدليل على افتقاد النساء للعقلانية والأهلية في مقابل رزانة وحكمة عقول الرجال.

أظهر المقال الذي كتبته إحدى منظمات المهرجان للدفاع عن تريلر مهرجان القاهرة لسينما المرأة إشكالية جديدة أكبر من إشكالية الفيلم الدعائي والمهرجان نفسه، فقد أظهر عدم إدراك الكاتبة لتاريخ الخطاب عن الرحم في اضطهاد المرأة في بادىء الامر وعدم فهمها للمنطق وراء الانتقادات الموجهة ضد الفيلم الدعائي للمهرجان. اذ تقوم الكاتبة بوضع جميع “أعداء الإبداع” من المعترضين على الفيلم  في سلة واحدة، النسويات منهم وذوي التفكير الذكوري، وتساوي  بين الانتقادات المبنية على منطق نسوي معني بالخطاب والذي هو نتاج عشرات السنين من النضال النسوي وبين حفلات السخرية  من قبل المجموعات ذات الايدولوجيا الذكورية التي تهزأ من النسويات ونضالهن اذ قالت: “لا مجال هنا للمقارنة الفنية بين هذا العمل الرائع لفريدا كاهلو و«تريلر» بسيط أثار حفيظة بعض الناشطات فى مجال عمل النساء، بنفس القدر الذى أثاره عند كثير من الرجال الذين لا يرون فى النساء إلا جسدا”.

هذه المساواة على عبثيتها ليست المشكلة الكبرى، ففي فقرة اخرى تستخلص الكاتبة أن انتقادات النسويات مبنية على اشارة الفيلم الدعائي لأعضاء المرأة التناسلية وأن ذلك هو ما أثار حفيظتهم: “الذين يعتبرون تصوير أجزاء معينة من جسد المرأة من التابوهات التى تستدعى التحريم والمنع، سواء أكان ذلك على خلفية دينية، أو حتى على خلفية أفكار تقدمية، فالنتيجة فى النهاية واحدة: لا تقتربوا من جسد النساء، وإذا أردتم فلتتحدَّثوا عن أعضائها غير المثيرة للجدل”. لا يمكن تجاهل رسالة الفيلم الدعائي  الذي “يؤكد على  الفكرة الرجعية السائدة بعلاقة المرأة بالامومة والانجاب والتي ناضلت الكثير من النسويات لتجاوزها وللتعامل مع النساء على اعتبارهن كيانات تقدم للعالم ما هو أكثر من ذلك لان الفيلم الدعائي  يوحي أن المهبل هو بوابة تقديم النساء لأي شيء لهذا العالم وإن المقدرة الإنجابية هي التصور الوحيد لأي إسهام من الممكن أن تقدمه المرأة” (بيان قوة ضد التحرش).

ولكن المفارقة  الكبرى في المقال هي وصف الكاتبة للانتقادات الموجهة للفيلم الدعائي بالهستريا! إن استخدام لفظ هستيريا في الرد على انتقادات موجها لها من قبل مجموعات نسوية هو تجاهل أو جهل بمئات السنين من القمع والاضطهاد الذي تعرضت له النساء عن طريق اتهامهن بالهستريا والجنون، والذي هو  الاتهام الذكوري الشائع والأقدم من نوعه ضد اللنساء والذي تم تحت رايته تعريض المئات بل الآلاف من النساء لشتى أنواع القمع والعقاب والحبس والقتل. وتأتي المفارقة الكبرى أن تكون فكرة المرأة-الرحم التي على أساسها بنيت المفاهيم العتيقة عن الهستريا النسائية هي نفسها فكرة المرأة-الرحم التي يكرس لها الفيلم الدعائي موضع الانتقاد.

وتأتي أهمية المقال ليس في كونه مجرد مقال إشكالي ولكن في كون كاتبته هي إحدى منظمات المهرجان المسؤول عن الفيلم الدعائي، مما جعل المقال ومجموعة الأفكار التي طرحها تعبر عن طريقة تفكير ادارة المهرجان بشكل شبه رسمي. فهو من المحزن بالنسبة لنا ان الهيئة المنظمة للمهرجان تفتقر الى وعي تاريخي بحيث تعيد انتاج أقدم المفاهيم الذكورية القامعة ومصطلحاتها, وان ليس لها استعداد لفتح مثل هذه المناقشات وتقبل الانتقادات البناءة من أجل المساهمة في خلق رؤية نسوية اقوى وأوضح للمهرجان وتجعله نقطة لقاء بين وجهات نظر متنوعة تستهدف شيئًا واحدًا وهو المساواة في السينما وغيرها من مجالات الفن.

ان تأخر هذا النوع من النقاشات على الساحة النسوية يمكن ان يكون بسبب انشغال الكثير منا في المعركة الملحة والعاجلة دائماً وهي معركة مقاومة العنف الجنسي المبني على النوع في مصر التي تؤجل كل النقاشات الضرورية الأخرى لعدم أهميتها في أوقات يتم اغتصاب النساء جماعياً في الميادين، أو حتى مقاومة الدخول في هذه النقاشات قصدا واقتصار الحوار بين مجاميع من “الستات المجانين” وذوي التفكير الذكوري، دون الاحساس بضرورة وجود حوار نسوي يساعد على تطوير خطابنا جميعاً وتصور حلول بديلة لبعض هذه القضايا.