بعد مخاض طويل

شهدت الشهور الأخيرة في القاهرة عددا من الفعاليات الثقافية ومهرجانات أفلام عالمية لاقت اقبالا جماهيريا كبيرا. سعدنا كثيرا بهذا الزخم الثقافي خصوصاً في فترة محبطة سياسياً في مصر، بالاضافة الى انها كانت فرصة لطيفة للقاء الاصدقاء والممثلين وصناع الافلام وفتح نقاشات عن الأفلام وقراءة أرآء نقدية مختلفة هنا وهناك، الا ان بعضها وفي بعض الاحيان ادى الى أن  يدخل المرء  في صراعات على شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والتوتير بسبب فيلم أو وجهة نظر او فيلم دعائي لمهرجان.

من الفعاليات التي اثارت فضولنا كان الاعلان الدولي السابع لـ”سينما المرأة” في القاهرة.  سعدنا بوجود فرصة أخرى لمشاهدة أفلام غير تجارية اوتقليدية من التي يشاهدها المرء عادة في دور السينما، الا انه اثار عددا من التساؤلات في اذهاننا.

فما هو المقصود  بـ”سينما المرأة”؟ وهل تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تصنعها النساء؟ وهل “النساء” هي عبارة عن فئة معينة؟ من تشمل هذه الفئة خاصة في مجتمع متنوع في نواحي مختلفة كالطبقة الاجتماعية، والتوجهات الجنسية، والتعليم والتربية الدينية والاجتماعية والتقسيم الجغرافي والتاريخ وغيرها على كل من الصعيد المحلي والدولي؟ ام تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تناقش قضايا المرأة فقط؟

ليس من السهل تكوين موقف واضح عن مهرجانات سينما المرأة، الا ان بعض المخرجات  فضلن ألا تعرض أفلامهن في مهرجانات خاصة بالنساء فقط، أو في مسابقات تتنافس فيها  النساء فقط. وهذا لا يعني عدم اعترافهن بوجود فرق في الفرص التي تتوفر للنساء في المجال السينمائي والذي كان منذ فترة وجيزة مجالا محصورا على الرجال، بل نرى أن تنظيم  مهرجانات لأفلام النساء هو حل مؤقت لهذه المشاكل الملحة. لذا  فاننا نشعر انه حان الوقت لفتح النقاش عن وجود هذه المهرجانات وقدرتها على تحقيق المساواة في مجال السينما, بالاضافة الى مناقشة الطريقة التي يتم فيها الحديث عن النساء وتقديمهم في فعالية كهذه.

الفيلم الدعائي للمهرجان الدولي السابع لـ”سينما المرأة”

للمهرجان فيلمان دعائيان. الاول والذي حظي بحاولي ٢٠٠٠ مشاهدة فقط، بسيط ويعكس مشاهد مختلفة من الافلام المشاركة بالمهرجان:

اما الفيلم الثاني والذي شوهد ما يقارب ٥٠ الف مرة اثار ضجة وردود افعال كثيرة في اوساط عديدة منها الاوساط النسوية المتحررة ايدولوجيا والفنانين والنشطاء. يبدأ الفيلم الدعائي الثاني بسيدة تصرخ وهي في حالة المخاض ومن ثم تحصل الولادة ويخرج من مهبلها الملصق الاعلاني للفيلم والذي يتم عرضه بكل فخر.

رأى البعض ان استخدام حالة ولادة بهذه الطريقة للاعلان عن مهرجان للافلام امر مثير للاشمئزاز والتقزز، كما ربط البعض الفيلم بالنساء والنسوية بطريقة سلبية، اذ قاموا بشتم النسوية على أساس أن هؤلاء النسويات لسن “روشين” بطريقة كافية، ورأى آخرون أن الفيديو يفتقر لأي ميول فنية فيه وأن طريقة الانتاج رديئة جدا. الحقيقة أن الفيلم الدعائي بالاضافة انه يختزل وينمط النساء وقضاياهن المختلفة بربطهن  بالرحم والإنجاب والامومة، الامر الذي هو خاطىء ومخل بحد ذاته، فانه ايضا يفتقر لاي نوع من الجمالية الفنية او لمفهوم قوي اذ انه يقتصر على تمثيله للنساء بناء على قاسم مشترك بينهن وهو المهبل والرحم، الفكرة التي تم تجسيدها في الفيلم الدعائي الذي تم صنعه للمهرجان. ومن هذا المنطلق،  نرى نحن  كمبدعات نسويات ضرورة خلق جو صحي للنقد الفني للاعمال التي تنتج في مثل هذه الفترات الثورية يتخطى الاحتفال بنا كنساء فقط وبتقييم أعمالنا الفنية على أنها جيدة وضعاً في الاعتبار أن صانعته امرأة.

عن الهستيريا والرحم

“الرحم هو حيوان يتوق لولادة الأطفال، عندما يظل غير مثمر لفترة طويلة بعد البلوغ، يشعر بالأسي وبالانزعاج الشديد ويشرد في الجسم قاطعاً ممر الهواء ليعوق التنفس وتصبح الضحية في حالة ضيق شديد وتثار كل أنواع الأمراض”

هذه الجملة التي اطلقها افلاطون قبل حوالى ٥٠٠ عام ما قبل الميلاد مرتبط بكلمة هستيريا Hysteria والتي هي مشتقة من الأصل اليوناني Hysterikos وتعني  الرحم وعليه فإن الهستريا النسائية  تشخيص طبي يختص بالنساء دون الرجال وكان سائداً لمئات السنين ولم يعد معترف به اليوم من قبل الجهات الطبية. لقرون طويلة كان الجنون والهستيريا مرتبطان بالمفاهيم التقليدية عن الذكورة والأنوثة، حيث تم تعريف المرأة السوية بالتي تتصف بالسلبية والخنوع والاعتمادية وأي حياد عن هذه المفاهيم والصفات كان يعتبر علامة من علامات الشذوذ والإصابة بالجنون، وقد تم استخدام تشخيص الهستيريا بشكل واسع للتدليل على افتقاد النساء للعقلانية والأهلية في مقابل رزانة وحكمة عقول الرجال.

أظهر المقال الذي كتبته إحدى منظمات المهرجان للدفاع عن تريلر مهرجان القاهرة لسينما المرأة إشكالية جديدة أكبر من إشكالية الفيلم الدعائي والمهرجان نفسه، فقد أظهر عدم إدراك الكاتبة لتاريخ الخطاب عن الرحم في اضطهاد المرأة في بادىء الامر وعدم فهمها للمنطق وراء الانتقادات الموجهة ضد الفيلم الدعائي للمهرجان. اذ تقوم الكاتبة بوضع جميع “أعداء الإبداع” من المعترضين على الفيلم  في سلة واحدة، النسويات منهم وذوي التفكير الذكوري، وتساوي  بين الانتقادات المبنية على منطق نسوي معني بالخطاب والذي هو نتاج عشرات السنين من النضال النسوي وبين حفلات السخرية  من قبل المجموعات ذات الايدولوجيا الذكورية التي تهزأ من النسويات ونضالهن اذ قالت: “لا مجال هنا للمقارنة الفنية بين هذا العمل الرائع لفريدا كاهلو و«تريلر» بسيط أثار حفيظة بعض الناشطات فى مجال عمل النساء، بنفس القدر الذى أثاره عند كثير من الرجال الذين لا يرون فى النساء إلا جسدا”.

هذه المساواة على عبثيتها ليست المشكلة الكبرى، ففي فقرة اخرى تستخلص الكاتبة أن انتقادات النسويات مبنية على اشارة الفيلم الدعائي لأعضاء المرأة التناسلية وأن ذلك هو ما أثار حفيظتهم: “الذين يعتبرون تصوير أجزاء معينة من جسد المرأة من التابوهات التى تستدعى التحريم والمنع، سواء أكان ذلك على خلفية دينية، أو حتى على خلفية أفكار تقدمية، فالنتيجة فى النهاية واحدة: لا تقتربوا من جسد النساء، وإذا أردتم فلتتحدَّثوا عن أعضائها غير المثيرة للجدل”. لا يمكن تجاهل رسالة الفيلم الدعائي  الذي “يؤكد على  الفكرة الرجعية السائدة بعلاقة المرأة بالامومة والانجاب والتي ناضلت الكثير من النسويات لتجاوزها وللتعامل مع النساء على اعتبارهن كيانات تقدم للعالم ما هو أكثر من ذلك لان الفيلم الدعائي  يوحي أن المهبل هو بوابة تقديم النساء لأي شيء لهذا العالم وإن المقدرة الإنجابية هي التصور الوحيد لأي إسهام من الممكن أن تقدمه المرأة” (بيان قوة ضد التحرش).

ولكن المفارقة  الكبرى في المقال هي وصف الكاتبة للانتقادات الموجهة للفيلم الدعائي بالهستريا! إن استخدام لفظ هستيريا في الرد على انتقادات موجها لها من قبل مجموعات نسوية هو تجاهل أو جهل بمئات السنين من القمع والاضطهاد الذي تعرضت له النساء عن طريق اتهامهن بالهستريا والجنون، والذي هو  الاتهام الذكوري الشائع والأقدم من نوعه ضد اللنساء والذي تم تحت رايته تعريض المئات بل الآلاف من النساء لشتى أنواع القمع والعقاب والحبس والقتل. وتأتي المفارقة الكبرى أن تكون فكرة المرأة-الرحم التي على أساسها بنيت المفاهيم العتيقة عن الهستريا النسائية هي نفسها فكرة المرأة-الرحم التي يكرس لها الفيلم الدعائي موضع الانتقاد.

وتأتي أهمية المقال ليس في كونه مجرد مقال إشكالي ولكن في كون كاتبته هي إحدى منظمات المهرجان المسؤول عن الفيلم الدعائي، مما جعل المقال ومجموعة الأفكار التي طرحها تعبر عن طريقة تفكير ادارة المهرجان بشكل شبه رسمي. فهو من المحزن بالنسبة لنا ان الهيئة المنظمة للمهرجان تفتقر الى وعي تاريخي بحيث تعيد انتاج أقدم المفاهيم الذكورية القامعة ومصطلحاتها, وان ليس لها استعداد لفتح مثل هذه المناقشات وتقبل الانتقادات البناءة من أجل المساهمة في خلق رؤية نسوية اقوى وأوضح للمهرجان وتجعله نقطة لقاء بين وجهات نظر متنوعة تستهدف شيئًا واحدًا وهو المساواة في السينما وغيرها من مجالات الفن.

ان تأخر هذا النوع من النقاشات على الساحة النسوية يمكن ان يكون بسبب انشغال الكثير منا في المعركة الملحة والعاجلة دائماً وهي معركة مقاومة العنف الجنسي المبني على النوع في مصر التي تؤجل كل النقاشات الضرورية الأخرى لعدم أهميتها في أوقات يتم اغتصاب النساء جماعياً في الميادين، أو حتى مقاومة الدخول في هذه النقاشات قصدا واقتصار الحوار بين مجاميع من “الستات المجانين” وذوي التفكير الذكوري، دون الاحساس بضرورة وجود حوار نسوي يساعد على تطوير خطابنا جميعاً وتصور حلول بديلة لبعض هذه القضايا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s