شكر جزيل لأحمد حشمت من نسوية متواضعة

كنت بفكر من أسبوع، بمناسبة يوم المرأة، في التحديات اللي لسا بتواجه النساء وازاي حتتعامل الحركة النسوية مع التحديات دي علشان نوصل لمجتمع مثالي، الحاجة اللي احنا بقالنا سنين، بل عقود وقرون، بنحلم بيها. مجتمع فيه مساواة وتسامح وتقبل لكل فرد بصرف النظر عن الجنس والنوع والميول الجنسية وغيرها… كنت بفكر وبتأمل وبقرأ لحد ما لقيت مقال ملهم وحكيم وقفني عن التفكير وخلاني أشوف الموضوع بضوء جديد ومنعش. ودلوقتي انا باكتب علشان اشكر كاتبها أحمد حشمت من قرارة نفسي على قراءته المغايرة للخطاب النسوي اللي تم اعادة نشره يوم ٨ مارس، بمناسبة يوم المرأة العالمي، على موقع مدى مصر

المقال ده فعلا غيّر رؤيتي للنسوية. ممكن يكون دا حاجة غريبة شوية، لأن أنا بقالي سنين طويلة بعتبر نفسي نسوية واتربيت على المبادئ النسوية من طفولتي. أمي كانت أم عازبة وربتني أكون مستقلة زيها: يعني مستقلة ماديا وعمليا، ومستقلة برضه في فكري ورأيي وعواطفي. هي كانت بتشتغل مع ستات وأطفال في سياق الانهيار العائلي، وبقدر اقول انها شافت أسوأ وأصعب الحاجات اللي بتتعرض لها النساء: الاغتصاب والعنف الأسري والفقر والإدمان والزنا بالمحارم وفي بعض الحالات الانتحار. أكيد مامة ما كانتش بتحكيلي عن الحاجات دي, بس كنت بعرف برضه. كان فيه كتاب عندنا في البيت كنت دايما عارفة اني مش المفروض ألمسه أبدا: الكتاب ده كان هدية جت لأمي من بنت اسمها سالي، كانت أمي بتشتغل معاها، ومكتوب فيها اهداء ليها، اهداء دافي ومؤثر. البنت، سالي، انتحرت. وبقت أمي لما بتشوف الكتاب ده وبتقرأ الاهداء المكتوب فيه بتنفجر بالبكاء. لما ابتديت اكبر، بدأت اشوف الحاجات دي لنفسي وابتديت اقوم بنشاطات نسوية، من غضبي على الظلم اللي كنت بشوفه وبتعرض له أنا كمان أحيانا. واصلت نشاطي في الجامعة وانضميت لمجموعة ستات بتدعم الناجيات من العنف الجنسي. اشتغلت هناك خمس سنين، والقصص اللي سمعتها في الفترة دي كانت مرعبة.

ولكن كل دا ما يمنعشي أني أتواضع لشخص أكثر مني دراية  وأستمع بكل جدية لراجل يمكن عمره ما عاش أي تجربة من التجارب الصعبة والمؤلمة دي التي بتعيشها النساء طول الوقت وطول حياتهم, لكن عنده كلام عاقل وذكي ممكن يفيدنا احنا كنسويين وكنساء. وبالعكس, يمكن صوتي وصوت اللي زيي بيتسمع زيادة عن اللزوم يعني. وحقيقي ان احنا مهووسين شوية بالعنف والاغتصاب وبنشوفهم في كل مكان. مثلا لما صديق يقول نكتة بريئة في قعدة أوعلى الفيس واحنا كنسويات بنرد بغضب شديد وكأن الكلام العادي بين صحاب له علاقة بالعنف دا اللي موجود على كل مستويات المجتمع واللي ساعات بتهددنا بشكل شخصي. أنا خدت بالي وأنا بقرأ مقال الأخ أحمد أن ده ممكن يعتبر “رؤية ضيقة ونخبوية”.  يمكن احنا النسويات بنركز شوية زيادة في حاجات تافهة مش بتجذبلنا تعاطف ودعم الجماهير اللي احنا بنستهدفهم. لأن الجماهير دي، كما علمني الاستاذ أحمد، هم الرجالة، والرجالة اكيد مش هيعبرونا لو بنتكلم في حاجات هم مش مهتمين بيها ولو مش بنحسسهم بالراحة!

شكلنا احنا اصلا ماشيين من منطلق غلط. كنا دايما فاكرين اننا هناخد حقنا غصبا عن الرجالة، زي ما عملوا السود في جنوب إفريقيا لما قاموا وأخدوا حقهم من البيض. يمكن تكون الاستراتيجية دي نافعة في بعض الأحيان، بس واضح ان فيه مشكلة وهي انها بتزعّل ناس وبتحسسهم انهم مقصيين. إيه لازمة النضال في سبيل العدالة والمساوة والكرامة والتسامح لو الناس زعلانة؟ إيه فايدة الحرية والحقوق المتساوية والعدالة للسود لو البيض زعلانين ومش قادرين ينبسطوا بالمساواة الجديدة دي مع اخواتهم بكل راحة وسعادة؟ إيه لازمة ان احنا نصرخ ونعلن عن غضبنا ورفضنا للقمع اللي بنتعرضله من الذكورية لو دا هيزعل الرجالة؟ حقك علينا يا استاذ أحمد.

على فكرة أنا عارفة من زمان أنه دي حاجة كويسة وبرضه طبيعية أن يبقى فيه رجالة بيشاركونا نشاطنا كنسويين. في كل المجموعات والجمعيات اللي انا اشتركت فيها كان فيه دايما صديق أو زميل أو حبيب كان بيساعدنا بطريقته الخاصة، وان كانت المساعدة دي بسيطة للغاية. وانا في الجامعة كان عندنا مجموعة ناشطات وكان فيه واحد صديقنا بيعمل لنا التصميم الجرافيكي وصيانة الموقع الالكتروني، وعمره ما طلب مننا ان احنا نسمح له بحضور اجتماع او انه يشارك في اتخاذ القرارات او تخطيط النشاطات. لما اشتغلت في جمعية  لدعم الناجيات من العنف الجنسي، كان كل الشغالين فيها ستات وذلك بحكم طبيعة العمل، بس كان عندنا محاسب بيحضرلنا التقرير السنوي بتاع الجمعية. الراجل دا وبكل ببساطة كان حابب شغلنا وحب يوفرلنا خدماته بتخفيض كبير. وكل الرجالة اللي في حياتي واللي أنا بحبهم، زي زوجي وأبويا وأصدقائي، بيحاولوا بقدر الامكان انهم يدعموني في اللي أنا بعمله لو حتى بحاجات بسيطة زي أن حد يوصلني لاجتماع بالعربية أو حتى مجرد أنهم يكلموا صحابهم الرجالة في المواضيع اللي بتهمني وبتهم النسويين.

بس كنت بفكر وأنا بقرأ مقال الأستاذ أحمد: ليه يقتصر دورهم على هذه المهام المتواضعة والمهينة؟ فالأستاذ أحمد أظهر لنا أنه بوسع الرجالة أن يساهموا في حركتنا بطريقة أكثر أهمية وإبداعا ومركزية. إذا كنا شايفين قبل كدا أنه على الراجل النسوي انه يكلم الرجالة التانيين ويحاول اقناعهم بأفكارنا، فلندرك دلوقتي أن احنا كمان مفروض نسمع صوته وأفكاره واقتراحاته. الراجل كائن عاقل وخبير، الأخ أحمد حشمت وأمثاله مش بس فاهمين نفسهم بل فاهمين النساء كمان! هم برضه فاهمين حقوق الإنسان–ودي حاجة مفيدة جدا لأن إحنا بقالنا فترة طويلة بنحاول نستوعب مفهوم الحقوق بصعوبة شديدة، لأنه مفهوم غريب على مجتمعنا زي ما بيقول الأخ أحمد. أكيد عندنا حركة نسوية عريقة بتطالب منذ القرن التاسع عشر بحقوق النساء، بس غالبا ما كانوش فاهمين بجد ايه معنى حقوق (باستثناء قاسم أمين طبعا… فين ايامك يا قاسم؟). احنا اصلا كنا ناسيين حاجات مهمة جدا واللي الاستاذ أحمد فكرنا  بيها، زي الدين والأعراف والتقاليد. وكوننا عايشين في المجتمع مع الرجالة،  بل وعايشين تحت قمع المجتمع دا كمان، مش معناه ان احنا فاهمين الطرق المختلفة اللي بتُستخدم بها الثقافة والدين لقهرنا وتكميمنا. لا لا. الرجالة،  يا أخواتي، أدرى مننا، ولو فعلا عايزين نحقق أحلامنا بمستقبل نعيش فيه بحريتنا وكرامتنا فمن اللازم والضرورة الملحة أن نرحب بهم ونحتويهم بل ونجعلهم قادتنا!

حقيقي أن أحمد حشمت لسا ما ورناش أوراق اعتماده كنسوي، بس الطلب الدائم دا بإن الرجالة يثبتوا نسويتهم عشان نتقبلهم رخم جدا. اكيد لو الشاب قال عن نفسه أنه نسوي يبقى فعلا نسوي زينا! الرجالة عموما مش بيكذبوا. ولو اختلفنا معاه في بعض التفاصيل… إيه المشكلة؟ المهم أن حركتنا تكون ديمقراطية وتتقبل كل شخص حابب يتضملنا.

اذن هلم أيتها الأخوات لنسعى لخلق حركة، بل مجتمع بأكمله، يستطيع فيه الرجال اللذين يعانون مرارا من الحرمان والاهمال أن يتولوا المكانة التي يستحقونها فيه ويصبحوا مفكريننا وقادتنا!

لبوة مش متأكدة اذا كانت فعلا لبوة ولا ببغاء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s