لست ناجية

لست ناجية من حادثة اغتصاب وليس لدي رغبة في أن أكون كذلك

أول مرة قابلتني كلمة “ناجية” كنت فيها في السابعة عشر من عمري. حدث ذلك خلال بحثي في الإنترنت عن معلومات عن العنف الجنسي ضد الأطفال، إذ كنت أحاول أن أفهم تجربتي الخاصة. وعثرت على موقع يحتوي على معلومات ومصادر ومنتدى للناجيات ليشاركن بتجاربهن الشخصية. كان هناك شرح مطول عن سبب استخدام كلمة ناجية بدلا من كلمة ضحية. وفقاً لذلك الشرح، فإن كلمة ضحية تجردني من القوة وتساهم في بقائي حبيسة تجربتي في حين أن كلمة ناجية تغيرالطريقة التي أنظر فيها  لنفسي وتغير طريقة تفكير الآخرين بي. فالناجيات تتعافين على عكس الضحايا. والناجيات لا يعشن في عار على عكس الضحايا اللاتي يتم سحقهن تحت ثقل العار الذي تحملنه. في ذلك اليوم، قررت أن أكون ناجية وشاركت بقصتي على منتدى الناجيات.

كونت نموذجاً للناجية في مخيلتي. الناجية  قوية. وهذا يعني، أنه كوني ناجية، لا عنف أوانتهاك يكسرني. أتقبل جروحي وأداويها ولا أضعف. أن أكون ناجية يعني أنني رويت ما حدث مراراً وتكراراً وشاركت تجربتي وترددت على أخصائيين نفسيين عدة. ما حدث لي كان حِمْلِي أنا وحدي، لم يكن حِمْل المجتمع أو حِمْل عائلتي، كان حِمْلِي أنا لوحدي فقط. ولأنني ناجية فكان من المفترض أن أمسك بزمام أمور مستقبلي وأن أتعافى. ولأنني ناجية فإن علي مواصلة الحياة وتخطي التجارب التي لا حول ولا قوة لي فيها بكل باتزان ولباقة.

لتجربتي مع كلمة ضحية أعماق مختلفة. إن رد فعل كياني تجاه هذه الكلمة يكمن في مستويين وتعمقي في هذين المستويين يحدث لكل واحد منهما على حدى. المستوى الأول هو  رد فعلي على كلمة ضحية بذاتها حيث أنها أصبحت جزء من تجربتي الشخصية؛ ضحية مقابل كلمة ناجية في سياق العنف الجنسي. التجربة الأخرى مع كلمة ضحية تكمن في التجربة التي مررت بها كعضو فعال في المجتمع العالمي للنسويات غير البيض. هذا يعني أنني أفكر في نفسي وفي (العنف الذي يتعرض له) جسدي بشكل منفصل وانفرادي من ناحية، ومن ناحية أخرى فإني أفكر في نفسي كجزء من مجموعة كبيرة من النساء اللواتي تشاركنني نفس التجربة. وفي كلتا الحالتين فإن كلمة ضحية، سواء نطقت أو استخدمت بطريقة ضمنية، فهي كلمة منحطة. وسوف أفسر ما أعنيه بالتفصيل.

حين تستخدم كلمة ضحية للإشارة إلى شخصي كفرد مستقل فهذا يشير إلى أنني لم أتجاوز التجربة التي مررت بها وأنني لم أتخلص من الألم الذي سببته لي تلك التجربة وأنني سمحت لهم بتدميري. ولو توقفت وجفلت للحظة فإنني قد أفقد السيطرة، وسأسمح لتلك التجارب وبما نتج عنها بأن تتحكم بي كشخص. وسأسمح لهم أن يسلبوا مني أكثر مما فعلوا. فكوني ضحية يعني أنني شخص ضعيف. وأنا لست أريد أن أكون شخصاً ضعيفاً لمجرد أنني شعرت بالضعف مرات عديدة، ولأنني شعرت بالضعف وبعدم القدرة على حماية جسدي أو حتى على محاولة حمايته. ولذا رفضت كلمة ضحية.

إن استخدام كلمة ضحية في الأوساط السياسية يثير استياء العديد من النسويات الكويير غير البيض منهن واللواتي لا تتمتعن بمميزات طبقية واجتماعية، أي غير البيض وغير المرفهين الكويير.  وعندما تحاول النسويات البيض الليبراليات أن تساندن أو تتبنين القضايا الخاصة بنا وتقمن برواية قصصنا بشكل يتم تصويرنا فيها بأننا ضعيفات ومستغلات وفي حاجة إلى من ينقذنا، فإن جسدي ينتفض من الغضب وأجد نفسي أصرخ في النصوص التي أقرؤها التي تحمل تلك الأفكار ” كسم كدة! لست في حاجة إلى شخصية بيضاء مرفهة لتقول لي أنني ضحية، وما سيترتب علي ذلك من تدخلات غير مرحب بها تسلب مني قوتي كما تفعل الذكورية تماما”. فقبول كلمة ضحية بهذا المعنى تعني أنني نسوية غير كفؤة.

بعد مرور أربعة أعوام على اغتصابي، كنت لا أزال رافضة أن أطلق على نفسي كلمة ضحية ولمدة أربعة عشر عاماً بعدها رفضت أن أسمي ما حدث حالة اغتصاب. فالاغتصاب يعني – من جديد- أن إرادتي مسلوبة، أنني كنت ضحية، وأنني كنت ضعيفة، ولذلك وبعد مرور أربعة عشر عاماً قضيتها وأنا أعيش دورالناجية قلما كنت أفكر في تلك الليلة، وأردد لنفسي أنني لم افقد السيطرة بل أني تخليت عنها طوعا، وأني أخترت أن أكون في المكان الذي أنا فيه وأنني لم أقاوم بما فيه الكفاية. كنت محاطة في ذلك الوقت بأصدقاء لا يتعاطفون معي ويرددون لي ما كان يخطر ببالي مرارا وقتها  – “ما كان سبب وجودك في ذلك المكان؟” – ولذا لم يكن لدي استعداد أن أكون ضحية من جديد. وبعد التجربة التي مررت بها كنت أريد تخطي ما حدث وألا أنظر إلى الخلف لأن الناجيات تتصرفن كذلك: أن يمحين آثار وندبات الماضي. لقد نجحت في التغلب على تلك التجربة ولمدة عشر سنوات من العلاج مع عشرة أطباء نفسيين مختلفين لم أذكر كلمة اغتصاب مرة واحدة ولم اضطر أبدا للحديث عن ذلك.

جلست مؤخراً مع صديقة جديدة عزيزة علي وكنت أشتكي من إصابة في ظهري وقد عدت أشعر بها في الأيام السابقة وكيف أنه علي توخي الحذر. سألتني عن كيفية حدوث تلك الإصابة. أجبتها بما أنا معتادة أن أقوله ردا على ذلك السؤال: “وقعت”. عادة ما يتوقف الناس عن السؤال بعد هذه الإجابة ولكنها لم تفعل ذلك وسألت: “وقعتي إزاي؟” انتابني شعور غريب وأخذت نفساً عميقاً وحاولت التهرب من سؤالها. كانت مستلقية وهي تنظر في اتجاه آخر ولكنها استدارت ونظرت إلى. قلت: “وقعت على السلم”. بدى عليها الضجر مني وردت: “أيوه، إزاي؟” قلت لها أن رجلا دفعني على سلم وأن الموقف كان معقد وكان ردها على هذا: “قصدك إيه، هو كان بيحاول يغتصبك؟”

لم أستطع سماع كلمة اغتصاب. شعرت بموجات من الهلع والارتباك وفُقْدان السيطرة والضعف. صرخت في وجهها: “لا ما كانش اغتصاب. وأنا زهقت من الناس اللي بتحاول تقولي إيه اللي حصل. أنا ما أُغْتَصَبْتِش وأنا مش ضحية!” في هذا اليوم تحدثنا لساعات. طرحت سؤالاً شغلني بعدها كثيرا: “ما هو سبب أن النساء عليها قول ما هو أكثر من كلمة لا؟ ولماذا نحمل مسئولية مقاومة محاولات التقرب الغير مرغوب فيها؟”

الحقيقة هي أنني ضحية، وقوتي أُخِذت مني، وما حدث لجسدي لم يكن باختياري. أما التأثير الجسدي والنفسي الناتجان عن ذلك فهما ملكي أنا وحدي لأعاني منهما وهما ملكي أنا وحدي لأتعافى منهما، أو على الأقل لأتقبل ذلك وأتعايش معه. بغض النظر عما إذا كنت أعطي نفسي صفة ضحية أو ناجية، فلي الحق أن أشعر بالتعب وألا أرغب في الاستمرار. كما لي الحق في أن تكون لي الرغبة في أن يتوقف كل شيء في مواجهة ماحدث لي. من حقي ان أشعر بالخوف وأن أمر بنوبات هلع و من حقي أن اغضب وأن أنهار، وألا اتحمل مسئولية أمور لم أخترها. هذه التجارب تكسر إحساسك بأنك من تتحكم بجسدك، إن هذا ما يجري بين الرجال والنساء يحدث لأننا نساء وهذه التجارب التي تمر بها أجسادنا الغرض منها تحديد وحد مساحتنا والأفعال التي قد نقوم بها. إني أعترف بأنني مكسورة وأنني أريد أن أكون غاضبة ولست في انتظار الرجال المتظاهرين بانتمائهم للنسوية، أن يقولوا لي أن أهدأ.

قد تظنون أنني مرتبكة وأن كلامي غير متناسق، وأنتم على حق، لأن هذه هي الطبيعة المعقدة لسردية الناجية مقابل الضحية كما عشتها. ما أريد قوله هنا – عن طريق إثنوغرافيا شخصية غير متناسقة عن الاغتصاب – هو أن قضية اختيار كلمة لوصف تجربة أحد أو تجربة شخصية مع العنف الجنسي ليست مهمة ولكن ما يهم هنا هو إدراك حدود تأثير اللغة والخطاب على الطريقة التي تتشكل فيها تجارب الأشخاص. فالتركيز الزائد على قوة تلك الكلمات وقدرتها على إعادة تشكيل الواقع يحد من القدرة على فهم معناها الحقيقي، فيما يخص أجسادنا، في عالم تمنع وتضيِّق وتتعدى العادات والمؤسسات التي تدير شئون حياتنا على استقلالية وجودنا لأننا نساء. حُصِرْنَا في ركن وظهورنا إلى الحائط وهذا يعني أن فهمنا لما يهددنا ودرجة تجريدنا من الإنسانية بالإضافة إلى قدرتنا على الدفاع عن المساحات الخاصة بنا واستقلاليتنا هي بدورها محدودة. فقد أصبحت إختياراتنا وتعبيراتنا وأجسادنا متروكة لآخرين (عادة ما يكون لديهم قضيب) يملون علينا ما يجب فعله بغض النظر إن كان في البيت أو في المساحات العامة أو في المؤسسات. ينكر بعض الناس ماهية مثل هذه التجربة، ويقول آخرون أن هذا هو مكاننا، ظهورنا إلى الحائط، وأن تلك هي المساحة الوحيدة المتاحة لنا لاستكشاف خياراتنا.

عند استخدام كلمات مثل ناجية أو ضحية أوعنف جنسي تكون النتيجة عادة استغلال هذه الكلمات لتشكيل سياسة أو تشريع أو فعل. ولكن تجاربنا الشخصية لا يمكن حصرها في اللغة وممارسات القانون والسياسات فحسب والمصطلحات المستخدمة على مستوى السياسات والمؤسسات لا يمكن أن تكون الهوية الوحيدة التي نتبناها بعد المرور بمثل هذه التجارب. إن التأكيد على وجود اختيار – ضحية أو ناجية – يأخد حيزا من الخطاب، ويخفي بذلك الواقع وهو أن المقاومة اليومية ليست ترفاً ولكنها ترادف الدفاع عن النفس. دعونا لا ننسى أننا كنساء نقف بظهورنا إلى الحائط حقاً، بغض النظر عما إذا كنا نقف مع عائلاتنا أو حلفائنا أو الدولة،  وأن مجرد وجودنا يقع تحت تهديد دائم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s