لست ناجية

لست ناجية من حادثة اغتصاب وليس لدي رغبة في أن أكون كذلك

أول مرة قابلتني كلمة “ناجية” كنت فيها في السابعة عشر من عمري. حدث ذلك خلال بحثي في الإنترنت عن معلومات عن العنف الجنسي ضد الأطفال، إذ كنت أحاول أن أفهم تجربتي الخاصة. وعثرت على موقع يحتوي على معلومات ومصادر ومنتدى للناجيات ليشاركن بتجاربهن الشخصية. كان هناك شرح مطول عن سبب استخدام كلمة ناجية بدلا من كلمة ضحية. وفقاً لذلك الشرح، فإن كلمة ضحية تجردني من القوة وتساهم في بقائي حبيسة تجربتي في حين أن كلمة ناجية تغيرالطريقة التي أنظر فيها  لنفسي وتغير طريقة تفكير الآخرين بي. فالناجيات تتعافين على عكس الضحايا. والناجيات لا يعشن في عار على عكس الضحايا اللاتي يتم سحقهن تحت ثقل العار الذي تحملنه. في ذلك اليوم، قررت أن أكون ناجية وشاركت بقصتي على منتدى الناجيات.

كونت نموذجاً للناجية في مخيلتي. الناجية  قوية. وهذا يعني، أنه كوني ناجية، لا عنف أوانتهاك يكسرني. أتقبل جروحي وأداويها ولا أضعف. أن أكون ناجية يعني أنني رويت ما حدث مراراً وتكراراً وشاركت تجربتي وترددت على أخصائيين نفسيين عدة. ما حدث لي كان حِمْلِي أنا وحدي، لم يكن حِمْل المجتمع أو حِمْل عائلتي، كان حِمْلِي أنا لوحدي فقط. ولأنني ناجية فكان من المفترض أن أمسك بزمام أمور مستقبلي وأن أتعافى. ولأنني ناجية فإن علي مواصلة الحياة وتخطي التجارب التي لا حول ولا قوة لي فيها بكل باتزان ولباقة.

لتجربتي مع كلمة ضحية أعماق مختلفة. إن رد فعل كياني تجاه هذه الكلمة يكمن في مستويين وتعمقي في هذين المستويين يحدث لكل واحد منهما على حدى. المستوى الأول هو  رد فعلي على كلمة ضحية بذاتها حيث أنها أصبحت جزء من تجربتي الشخصية؛ ضحية مقابل كلمة ناجية في سياق العنف الجنسي. التجربة الأخرى مع كلمة ضحية تكمن في التجربة التي مررت بها كعضو فعال في المجتمع العالمي للنسويات غير البيض. هذا يعني أنني أفكر في نفسي وفي (العنف الذي يتعرض له) جسدي بشكل منفصل وانفرادي من ناحية، ومن ناحية أخرى فإني أفكر في نفسي كجزء من مجموعة كبيرة من النساء اللواتي تشاركنني نفس التجربة. وفي كلتا الحالتين فإن كلمة ضحية، سواء نطقت أو استخدمت بطريقة ضمنية، فهي كلمة منحطة. وسوف أفسر ما أعنيه بالتفصيل.

حين تستخدم كلمة ضحية للإشارة إلى شخصي كفرد مستقل فهذا يشير إلى أنني لم أتجاوز التجربة التي مررت بها وأنني لم أتخلص من الألم الذي سببته لي تلك التجربة وأنني سمحت لهم بتدميري. ولو توقفت وجفلت للحظة فإنني قد أفقد السيطرة، وسأسمح لتلك التجارب وبما نتج عنها بأن تتحكم بي كشخص. وسأسمح لهم أن يسلبوا مني أكثر مما فعلوا. فكوني ضحية يعني أنني شخص ضعيف. وأنا لست أريد أن أكون شخصاً ضعيفاً لمجرد أنني شعرت بالضعف مرات عديدة، ولأنني شعرت بالضعف وبعدم القدرة على حماية جسدي أو حتى على محاولة حمايته. ولذا رفضت كلمة ضحية.

إن استخدام كلمة ضحية في الأوساط السياسية يثير استياء العديد من النسويات الكويير غير البيض منهن واللواتي لا تتمتعن بمميزات طبقية واجتماعية، أي غير البيض وغير المرفهين الكويير.  وعندما تحاول النسويات البيض الليبراليات أن تساندن أو تتبنين القضايا الخاصة بنا وتقمن برواية قصصنا بشكل يتم تصويرنا فيها بأننا ضعيفات ومستغلات وفي حاجة إلى من ينقذنا، فإن جسدي ينتفض من الغضب وأجد نفسي أصرخ في النصوص التي أقرؤها التي تحمل تلك الأفكار ” كسم كدة! لست في حاجة إلى شخصية بيضاء مرفهة لتقول لي أنني ضحية، وما سيترتب علي ذلك من تدخلات غير مرحب بها تسلب مني قوتي كما تفعل الذكورية تماما”. فقبول كلمة ضحية بهذا المعنى تعني أنني نسوية غير كفؤة.

بعد مرور أربعة أعوام على اغتصابي، كنت لا أزال رافضة أن أطلق على نفسي كلمة ضحية ولمدة أربعة عشر عاماً بعدها رفضت أن أسمي ما حدث حالة اغتصاب. فالاغتصاب يعني – من جديد- أن إرادتي مسلوبة، أنني كنت ضحية، وأنني كنت ضعيفة، ولذلك وبعد مرور أربعة عشر عاماً قضيتها وأنا أعيش دورالناجية قلما كنت أفكر في تلك الليلة، وأردد لنفسي أنني لم افقد السيطرة بل أني تخليت عنها طوعا، وأني أخترت أن أكون في المكان الذي أنا فيه وأنني لم أقاوم بما فيه الكفاية. كنت محاطة في ذلك الوقت بأصدقاء لا يتعاطفون معي ويرددون لي ما كان يخطر ببالي مرارا وقتها  – “ما كان سبب وجودك في ذلك المكان؟” – ولذا لم يكن لدي استعداد أن أكون ضحية من جديد. وبعد التجربة التي مررت بها كنت أريد تخطي ما حدث وألا أنظر إلى الخلف لأن الناجيات تتصرفن كذلك: أن يمحين آثار وندبات الماضي. لقد نجحت في التغلب على تلك التجربة ولمدة عشر سنوات من العلاج مع عشرة أطباء نفسيين مختلفين لم أذكر كلمة اغتصاب مرة واحدة ولم اضطر أبدا للحديث عن ذلك.

جلست مؤخراً مع صديقة جديدة عزيزة علي وكنت أشتكي من إصابة في ظهري وقد عدت أشعر بها في الأيام السابقة وكيف أنه علي توخي الحذر. سألتني عن كيفية حدوث تلك الإصابة. أجبتها بما أنا معتادة أن أقوله ردا على ذلك السؤال: “وقعت”. عادة ما يتوقف الناس عن السؤال بعد هذه الإجابة ولكنها لم تفعل ذلك وسألت: “وقعتي إزاي؟” انتابني شعور غريب وأخذت نفساً عميقاً وحاولت التهرب من سؤالها. كانت مستلقية وهي تنظر في اتجاه آخر ولكنها استدارت ونظرت إلى. قلت: “وقعت على السلم”. بدى عليها الضجر مني وردت: “أيوه، إزاي؟” قلت لها أن رجلا دفعني على سلم وأن الموقف كان معقد وكان ردها على هذا: “قصدك إيه، هو كان بيحاول يغتصبك؟”

لم أستطع سماع كلمة اغتصاب. شعرت بموجات من الهلع والارتباك وفُقْدان السيطرة والضعف. صرخت في وجهها: “لا ما كانش اغتصاب. وأنا زهقت من الناس اللي بتحاول تقولي إيه اللي حصل. أنا ما أُغْتَصَبْتِش وأنا مش ضحية!” في هذا اليوم تحدثنا لساعات. طرحت سؤالاً شغلني بعدها كثيرا: “ما هو سبب أن النساء عليها قول ما هو أكثر من كلمة لا؟ ولماذا نحمل مسئولية مقاومة محاولات التقرب الغير مرغوب فيها؟”

الحقيقة هي أنني ضحية، وقوتي أُخِذت مني، وما حدث لجسدي لم يكن باختياري. أما التأثير الجسدي والنفسي الناتجان عن ذلك فهما ملكي أنا وحدي لأعاني منهما وهما ملكي أنا وحدي لأتعافى منهما، أو على الأقل لأتقبل ذلك وأتعايش معه. بغض النظر عما إذا كنت أعطي نفسي صفة ضحية أو ناجية، فلي الحق أن أشعر بالتعب وألا أرغب في الاستمرار. كما لي الحق في أن تكون لي الرغبة في أن يتوقف كل شيء في مواجهة ماحدث لي. من حقي ان أشعر بالخوف وأن أمر بنوبات هلع و من حقي أن اغضب وأن أنهار، وألا اتحمل مسئولية أمور لم أخترها. هذه التجارب تكسر إحساسك بأنك من تتحكم بجسدك، إن هذا ما يجري بين الرجال والنساء يحدث لأننا نساء وهذه التجارب التي تمر بها أجسادنا الغرض منها تحديد وحد مساحتنا والأفعال التي قد نقوم بها. إني أعترف بأنني مكسورة وأنني أريد أن أكون غاضبة ولست في انتظار الرجال المتظاهرين بانتمائهم للنسوية، أن يقولوا لي أن أهدأ.

قد تظنون أنني مرتبكة وأن كلامي غير متناسق، وأنتم على حق، لأن هذه هي الطبيعة المعقدة لسردية الناجية مقابل الضحية كما عشتها. ما أريد قوله هنا – عن طريق إثنوغرافيا شخصية غير متناسقة عن الاغتصاب – هو أن قضية اختيار كلمة لوصف تجربة أحد أو تجربة شخصية مع العنف الجنسي ليست مهمة ولكن ما يهم هنا هو إدراك حدود تأثير اللغة والخطاب على الطريقة التي تتشكل فيها تجارب الأشخاص. فالتركيز الزائد على قوة تلك الكلمات وقدرتها على إعادة تشكيل الواقع يحد من القدرة على فهم معناها الحقيقي، فيما يخص أجسادنا، في عالم تمنع وتضيِّق وتتعدى العادات والمؤسسات التي تدير شئون حياتنا على استقلالية وجودنا لأننا نساء. حُصِرْنَا في ركن وظهورنا إلى الحائط وهذا يعني أن فهمنا لما يهددنا ودرجة تجريدنا من الإنسانية بالإضافة إلى قدرتنا على الدفاع عن المساحات الخاصة بنا واستقلاليتنا هي بدورها محدودة. فقد أصبحت إختياراتنا وتعبيراتنا وأجسادنا متروكة لآخرين (عادة ما يكون لديهم قضيب) يملون علينا ما يجب فعله بغض النظر إن كان في البيت أو في المساحات العامة أو في المؤسسات. ينكر بعض الناس ماهية مثل هذه التجربة، ويقول آخرون أن هذا هو مكاننا، ظهورنا إلى الحائط، وأن تلك هي المساحة الوحيدة المتاحة لنا لاستكشاف خياراتنا.

عند استخدام كلمات مثل ناجية أو ضحية أوعنف جنسي تكون النتيجة عادة استغلال هذه الكلمات لتشكيل سياسة أو تشريع أو فعل. ولكن تجاربنا الشخصية لا يمكن حصرها في اللغة وممارسات القانون والسياسات فحسب والمصطلحات المستخدمة على مستوى السياسات والمؤسسات لا يمكن أن تكون الهوية الوحيدة التي نتبناها بعد المرور بمثل هذه التجارب. إن التأكيد على وجود اختيار – ضحية أو ناجية – يأخد حيزا من الخطاب، ويخفي بذلك الواقع وهو أن المقاومة اليومية ليست ترفاً ولكنها ترادف الدفاع عن النفس. دعونا لا ننسى أننا كنساء نقف بظهورنا إلى الحائط حقاً، بغض النظر عما إذا كنا نقف مع عائلاتنا أو حلفائنا أو الدولة،  وأن مجرد وجودنا يقع تحت تهديد دائم.

I am not a Rape “Survivor”: Nor Do I want to Be

The first time I came across the word survivor in the context of sexual violence, I was 17, browsing the internet for information on child sexual abuse. I was trying to understand my own experiences. I came across a website with information, resources and a Survivors’ Forum to share personal stories. There was a lengthy explanation of why the word survivor was used instead of victim. It explained how the word victim was disempowering, and how the word victim would forever embed me in my past experiences, whereas the word survivor would change how I viewed myself and would also alter how people thought of me.  Survivors would heal, victims would not. Survivors would not live in shame, victims would be crushed under the weight of their shame. I decided that day that I was a survivor and I shared my story on the Survivors’ Forum.

I modeled what a survivor looked like in my imagination. A survivor was strong. Being a survivor meant that the violence and violation did not break me. It meant that I had accepted and nursed my wounds, but that they did not debilitate me. It meant that I talked and I talked and I shared my experiences and that I sought help from numerous therapists. What happened to me was my burden alone to carry; it wasn’t society’s or my family’s, it was mine alone. And because I was a survivor I would take ownership of my future and heal. As a survivor, I would carry myself with elegant poise and grace as I moved on and away from experiences I had had no control over.

My experience of the word victim is much more multi-tiered. My being reacts to that word on two levels and I believe both warrant that I delve into them separately. The first was responding to the word ‘victim’ as it became part of my personal individual experience; victim as we think of it in relationship to survivor in the context of sexual violence. The other experience of the word ‘victim’ was more of my experience as part of an actor in the global collective of non-white feminists. So I would think of myself as me and (the violence to) my body on the one hand, and on the other hand I would think of me as part of a larger group of women who shared a similar experience. In both cases the word ‘victim,’ whether uttered or implied, was a filthy word. I will explain each in more detail.

Using the word ‘victim’ in relation to myself as an individual meant that I hadn’t survived my experience, that I had not emerged from the pain and that I had let them destroy me. I thought that if I stopped for a minute, that I would lose control;, I would let these past experiences dictate who I was and what happened to me. I would let them take something more away from me. Being a victim meant that I was a weak person, and I didn’t want to be a weak person because I had felt so powerless so many times, I felt weak and unable to even attempt to guard my body. I couldn’t accept the word victim.

The word ‘victim’ as used in the wider political arena is something that most non-white or non-privileged queer feminists will react very strongly against. When liberal white feminists champion or appropriate our causes, when they tell our stories in a way that paints us as weak, exploited or needing to be saved, my body seethes with anger and I tend to scream at texts, “Fuck this, I don’t need some white privileged bitch telling me what a victim I am, which will possibly result in uninvited interventions that are just as disempowering as patriarchy itself”. So accepting the word victim in this sense would mean I was a bad feminist.

Four years later, when I was raped, I still refused to call myself a victim, and for another 14 years I refused to call it rape. Rape meant that once again, I was rendered powerless, that I was a victim and I was weak, and so after the assault I spent 14 years surviving, rarely thinking of that evening, telling myself that control was not taken away from me, but that I had ceded control willingly, that I had chosen to be there, that I had not fought back hard enough. I had a unsympathetic support system at the time that echoed back at me what I was thinking—“Why were you there?”—and so I wasn’t ready to be a victim again. After the experience that I had gone through I wanted to move on and not look back, because that is what survivors did: they erased the traces and the scars of their past. I survived so well that not once, over the course of at least ten therapists and ten years of therapy, did I ever have to call it rape, or even really have to talk about it.

Recently, I sat with a new and dear friend complaining about my back injury, how it had flared up the last few days and how I had to be careful with it. She asked me how I had hurt my back. I responded the way I’ve always responded to that question: “I fell,” I said. Most people let it go, but she didn’t; “How did you fall?,” she asked. I felt awkward and took a deep breath and made an attempt to evade her question. She was lying with her face away from me and she turned over to look at me. “I fell on a staircase,” I said. She was getting irritated with me and hurriedly responded, “Yes, how?” I said that this guy had pushed me down on a staircase and that it was a complicated situation, to which she said, “What do you mean, he was trying to rape you?”

I couldn’t hear the word rape. I felt waves of panic, confusion, loss of control and weakness take over. “No it wasn’t rape,” I screamed at her, “and I am so sick of fucking people trying to tell me what my experience was, I wasn’t raped and I am not a victim!”. We talked for hours that day, and one question that she raised that really stood out to me: “Why are we expected, as women, to have say something more than just no? Why are we given the responsibility to have to fight off unwanted advances?”

The truth is, I am a victim, I was made to be powerless and what happened to my body I didn’t choose, and the physical and psychological effects are mine alone to suffer and mine alone to heal or at least accept and live with. Regardless of whether I called myself a victim or a survivor. I have the right to be tired and not able to go on. I have the right to want everything to come to a halt and stand against what happened to me. I have the right to be scared and have panic attacks, I have the right to my rage, I have the right to fall apart because these things really break you, and I have the right to not want to take responsibility for things I did not choose. These experiences break your sense of control over your body, these experiences between men and women happen because we are women and these experiences to our bodies are meant to define and limit our space of possible actions. I want to admit that I am broken and I want to be angry and I am not waiting for pseudo-feminist men to tell me that I need to calm down.

You might be thinking that what I am saying seems confused and disjointed, and you are right, it is, because that is the complex nature of the survivor versus victim narrative as I have come to experience it.   The point I am making here, through a disjointed personal ethnography of rape, is not about what word to choose to describe someone’s, or one’s own, experiences of sexual violence, but to realize that there is a limitation to the effects of language and discourse on the transformation of a lived experience. The over-emphasis on the power of these words to reshape reality in itself becomes a limitation of truly understanding what it means, at the level of our bodies, to exist in a world where the practices and institutions that govern our lives prohibit, restrict and violate the autonomy of our beings, because we are women. We are cornered with our backs to the wall, which means that our understanding of the threat against us and the degree of our dehumanization, as well as our ability to defend our spaces and autonomy is also restricted. The agency over our choices, expressions and bodies, is dictated by someone else, usually with a penis, whether at home or in public spaces or institutions. Some people deny the reality of what that experience is like; others say that that is where we belong, with our backs to the wall, and that that is how much room we are permitted to navigate our choices.

When we describe someone as a survivor or a victim of sexual violence, it is often instrumentalized to shape policy, legislation and action. But our personal experiences cannot be captured only through the languages and practices of laws and policies, and the terminology used at the policy and institutional level cannot be the only identity we adopt following these experiences we undergo.  An over-emphasis on choice of words—victim or survivor—takes up room in our discourse, concealing the fact that daily resistance is not a luxury, but is synonymous with self-defense. Let us not forget that as women our backs are REALLY to the wall, whether we are standing with our families, allies or the state, and that our very existence is constantly under threat.

بعد مخاض طويل

شهدت الشهور الأخيرة في القاهرة عددا من الفعاليات الثقافية ومهرجانات أفلام عالمية لاقت اقبالا جماهيريا كبيرا. سعدنا كثيرا بهذا الزخم الثقافي خصوصاً في فترة محبطة سياسياً في مصر، بالاضافة الى انها كانت فرصة لطيفة للقاء الاصدقاء والممثلين وصناع الافلام وفتح نقاشات عن الأفلام وقراءة أرآء نقدية مختلفة هنا وهناك، الا ان بعضها وفي بعض الاحيان ادى الى أن  يدخل المرء  في صراعات على شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والتوتير بسبب فيلم أو وجهة نظر او فيلم دعائي لمهرجان.

من الفعاليات التي اثارت فضولنا كان الاعلان الدولي السابع لـ”سينما المرأة” في القاهرة.  سعدنا بوجود فرصة أخرى لمشاهدة أفلام غير تجارية اوتقليدية من التي يشاهدها المرء عادة في دور السينما، الا انه اثار عددا من التساؤلات في اذهاننا.

فما هو المقصود  بـ”سينما المرأة”؟ وهل تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تصنعها النساء؟ وهل “النساء” هي عبارة عن فئة معينة؟ من تشمل هذه الفئة خاصة في مجتمع متنوع في نواحي مختلفة كالطبقة الاجتماعية، والتوجهات الجنسية، والتعليم والتربية الدينية والاجتماعية والتقسيم الجغرافي والتاريخ وغيرها على كل من الصعيد المحلي والدولي؟ ام تقتصر سينما المرأة على الأفلام التي تناقش قضايا المرأة فقط؟

ليس من السهل تكوين موقف واضح عن مهرجانات سينما المرأة، الا ان بعض المخرجات  فضلن ألا تعرض أفلامهن في مهرجانات خاصة بالنساء فقط، أو في مسابقات تتنافس فيها  النساء فقط. وهذا لا يعني عدم اعترافهن بوجود فرق في الفرص التي تتوفر للنساء في المجال السينمائي والذي كان منذ فترة وجيزة مجالا محصورا على الرجال، بل نرى أن تنظيم  مهرجانات لأفلام النساء هو حل مؤقت لهذه المشاكل الملحة. لذا  فاننا نشعر انه حان الوقت لفتح النقاش عن وجود هذه المهرجانات وقدرتها على تحقيق المساواة في مجال السينما, بالاضافة الى مناقشة الطريقة التي يتم فيها الحديث عن النساء وتقديمهم في فعالية كهذه.

الفيلم الدعائي للمهرجان الدولي السابع لـ”سينما المرأة”

للمهرجان فيلمان دعائيان. الاول والذي حظي بحاولي ٢٠٠٠ مشاهدة فقط، بسيط ويعكس مشاهد مختلفة من الافلام المشاركة بالمهرجان:

اما الفيلم الثاني والذي شوهد ما يقارب ٥٠ الف مرة اثار ضجة وردود افعال كثيرة في اوساط عديدة منها الاوساط النسوية المتحررة ايدولوجيا والفنانين والنشطاء. يبدأ الفيلم الدعائي الثاني بسيدة تصرخ وهي في حالة المخاض ومن ثم تحصل الولادة ويخرج من مهبلها الملصق الاعلاني للفيلم والذي يتم عرضه بكل فخر.

رأى البعض ان استخدام حالة ولادة بهذه الطريقة للاعلان عن مهرجان للافلام امر مثير للاشمئزاز والتقزز، كما ربط البعض الفيلم بالنساء والنسوية بطريقة سلبية، اذ قاموا بشتم النسوية على أساس أن هؤلاء النسويات لسن “روشين” بطريقة كافية، ورأى آخرون أن الفيديو يفتقر لأي ميول فنية فيه وأن طريقة الانتاج رديئة جدا. الحقيقة أن الفيلم الدعائي بالاضافة انه يختزل وينمط النساء وقضاياهن المختلفة بربطهن  بالرحم والإنجاب والامومة، الامر الذي هو خاطىء ومخل بحد ذاته، فانه ايضا يفتقر لاي نوع من الجمالية الفنية او لمفهوم قوي اذ انه يقتصر على تمثيله للنساء بناء على قاسم مشترك بينهن وهو المهبل والرحم، الفكرة التي تم تجسيدها في الفيلم الدعائي الذي تم صنعه للمهرجان. ومن هذا المنطلق،  نرى نحن  كمبدعات نسويات ضرورة خلق جو صحي للنقد الفني للاعمال التي تنتج في مثل هذه الفترات الثورية يتخطى الاحتفال بنا كنساء فقط وبتقييم أعمالنا الفنية على أنها جيدة وضعاً في الاعتبار أن صانعته امرأة.

عن الهستيريا والرحم

“الرحم هو حيوان يتوق لولادة الأطفال، عندما يظل غير مثمر لفترة طويلة بعد البلوغ، يشعر بالأسي وبالانزعاج الشديد ويشرد في الجسم قاطعاً ممر الهواء ليعوق التنفس وتصبح الضحية في حالة ضيق شديد وتثار كل أنواع الأمراض”

هذه الجملة التي اطلقها افلاطون قبل حوالى ٥٠٠ عام ما قبل الميلاد مرتبط بكلمة هستيريا Hysteria والتي هي مشتقة من الأصل اليوناني Hysterikos وتعني  الرحم وعليه فإن الهستريا النسائية  تشخيص طبي يختص بالنساء دون الرجال وكان سائداً لمئات السنين ولم يعد معترف به اليوم من قبل الجهات الطبية. لقرون طويلة كان الجنون والهستيريا مرتبطان بالمفاهيم التقليدية عن الذكورة والأنوثة، حيث تم تعريف المرأة السوية بالتي تتصف بالسلبية والخنوع والاعتمادية وأي حياد عن هذه المفاهيم والصفات كان يعتبر علامة من علامات الشذوذ والإصابة بالجنون، وقد تم استخدام تشخيص الهستيريا بشكل واسع للتدليل على افتقاد النساء للعقلانية والأهلية في مقابل رزانة وحكمة عقول الرجال.

أظهر المقال الذي كتبته إحدى منظمات المهرجان للدفاع عن تريلر مهرجان القاهرة لسينما المرأة إشكالية جديدة أكبر من إشكالية الفيلم الدعائي والمهرجان نفسه، فقد أظهر عدم إدراك الكاتبة لتاريخ الخطاب عن الرحم في اضطهاد المرأة في بادىء الامر وعدم فهمها للمنطق وراء الانتقادات الموجهة ضد الفيلم الدعائي للمهرجان. اذ تقوم الكاتبة بوضع جميع “أعداء الإبداع” من المعترضين على الفيلم  في سلة واحدة، النسويات منهم وذوي التفكير الذكوري، وتساوي  بين الانتقادات المبنية على منطق نسوي معني بالخطاب والذي هو نتاج عشرات السنين من النضال النسوي وبين حفلات السخرية  من قبل المجموعات ذات الايدولوجيا الذكورية التي تهزأ من النسويات ونضالهن اذ قالت: “لا مجال هنا للمقارنة الفنية بين هذا العمل الرائع لفريدا كاهلو و«تريلر» بسيط أثار حفيظة بعض الناشطات فى مجال عمل النساء، بنفس القدر الذى أثاره عند كثير من الرجال الذين لا يرون فى النساء إلا جسدا”.

هذه المساواة على عبثيتها ليست المشكلة الكبرى، ففي فقرة اخرى تستخلص الكاتبة أن انتقادات النسويات مبنية على اشارة الفيلم الدعائي لأعضاء المرأة التناسلية وأن ذلك هو ما أثار حفيظتهم: “الذين يعتبرون تصوير أجزاء معينة من جسد المرأة من التابوهات التى تستدعى التحريم والمنع، سواء أكان ذلك على خلفية دينية، أو حتى على خلفية أفكار تقدمية، فالنتيجة فى النهاية واحدة: لا تقتربوا من جسد النساء، وإذا أردتم فلتتحدَّثوا عن أعضائها غير المثيرة للجدل”. لا يمكن تجاهل رسالة الفيلم الدعائي  الذي “يؤكد على  الفكرة الرجعية السائدة بعلاقة المرأة بالامومة والانجاب والتي ناضلت الكثير من النسويات لتجاوزها وللتعامل مع النساء على اعتبارهن كيانات تقدم للعالم ما هو أكثر من ذلك لان الفيلم الدعائي  يوحي أن المهبل هو بوابة تقديم النساء لأي شيء لهذا العالم وإن المقدرة الإنجابية هي التصور الوحيد لأي إسهام من الممكن أن تقدمه المرأة” (بيان قوة ضد التحرش).

ولكن المفارقة  الكبرى في المقال هي وصف الكاتبة للانتقادات الموجهة للفيلم الدعائي بالهستريا! إن استخدام لفظ هستيريا في الرد على انتقادات موجها لها من قبل مجموعات نسوية هو تجاهل أو جهل بمئات السنين من القمع والاضطهاد الذي تعرضت له النساء عن طريق اتهامهن بالهستريا والجنون، والذي هو  الاتهام الذكوري الشائع والأقدم من نوعه ضد اللنساء والذي تم تحت رايته تعريض المئات بل الآلاف من النساء لشتى أنواع القمع والعقاب والحبس والقتل. وتأتي المفارقة الكبرى أن تكون فكرة المرأة-الرحم التي على أساسها بنيت المفاهيم العتيقة عن الهستريا النسائية هي نفسها فكرة المرأة-الرحم التي يكرس لها الفيلم الدعائي موضع الانتقاد.

وتأتي أهمية المقال ليس في كونه مجرد مقال إشكالي ولكن في كون كاتبته هي إحدى منظمات المهرجان المسؤول عن الفيلم الدعائي، مما جعل المقال ومجموعة الأفكار التي طرحها تعبر عن طريقة تفكير ادارة المهرجان بشكل شبه رسمي. فهو من المحزن بالنسبة لنا ان الهيئة المنظمة للمهرجان تفتقر الى وعي تاريخي بحيث تعيد انتاج أقدم المفاهيم الذكورية القامعة ومصطلحاتها, وان ليس لها استعداد لفتح مثل هذه المناقشات وتقبل الانتقادات البناءة من أجل المساهمة في خلق رؤية نسوية اقوى وأوضح للمهرجان وتجعله نقطة لقاء بين وجهات نظر متنوعة تستهدف شيئًا واحدًا وهو المساواة في السينما وغيرها من مجالات الفن.

ان تأخر هذا النوع من النقاشات على الساحة النسوية يمكن ان يكون بسبب انشغال الكثير منا في المعركة الملحة والعاجلة دائماً وهي معركة مقاومة العنف الجنسي المبني على النوع في مصر التي تؤجل كل النقاشات الضرورية الأخرى لعدم أهميتها في أوقات يتم اغتصاب النساء جماعياً في الميادين، أو حتى مقاومة الدخول في هذه النقاشات قصدا واقتصار الحوار بين مجاميع من “الستات المجانين” وذوي التفكير الذكوري، دون الاحساس بضرورة وجود حوار نسوي يساعد على تطوير خطابنا جميعاً وتصور حلول بديلة لبعض هذه القضايا.