كيف تأكل اللبوة البغبغان: رد نسوي على قراءة “مغايرة”

حوار جاد

Cat-reading1-550x366

نشر موقع مدى مصر مقال تحت عنوان “قراءة مغايرة للخطاب النسوي” بمناسبة يوم النساء العالمي. يقول كاتب المقال -الذي يصنف نفسه كرجل نسوي- أنه يريد أن يبدأ “حوار جاد”  مع النسويات. إن النقد ضروري وعلى كل حركة أن تتقبله إن أردات أن تتسم بالتفكر والمسئولية. فنحن لا نتلقى نقد ولا مشاركة صادقين بشكل كاف. بل بالعكس ينهال علينا هراء رجعي معادي للنسوية، نهدر طاقاتنا في الدفاع عن أنفسنا أمامه. ولذلك فنحن نريد أن نأخذ على محمل الجد كل محاولة للنقد للمشاركة في نقاش حول النسوية. وهذا ما سوف نحاول فعله في المقال التالي.

يبدأ المقال بمقولة للأكاديمية والناقدة الاجتماعية كاميل باليا التي اشتهرت في التسعينيات (وكان من الأفضل أن تبقى هناك) لنقدها المثير للجدل  للنسوية. وكانت قد وصفت في حوار لها في مجلة التايم ماجازين مؤخراً، أن الكلام عن ثقافة الاغتصاب** ليس إلا “بروباجاندا مسعورة”، مجادلة أن الرجال مبرمجون على الاغتصاب وبالأخص عندما يرون “لحم عار وملابس مثيرة”. قالت أن الشابات اللاتي يرتدين ملابس مثيرة لا يفهمن “حضور طبيعة الرجل الهمجية”. تجادل باليا أن الرجل بطبيعته عنيف ومتربص (جنسي). إذا فإن كاميل باليا (وليس النسويات كما يقول المقال) هي التي تؤمن أنه لا وجود لذكورية غير العنيفة والمتربصة. شيء غريب أن هناك الكثير من الرجال  يدعمون بل ويستشهدون بحجج باليا فيما يخص جوهر الرجال.

هناك الكثير من مبرري الاغتصاب، من كاميل باليا وصولاً إلى المغتصب موكش سينغ الذي اغتصب وقتل جيوتي سينغ ثم قال أن الفتاة مسئولة عن الاغتصاب أكثر من الرجل. أو عندما قام تامر أمين بلوم فتاة تم التحرش بها جنسياً داخل الجامعة من قبل مجموعة من الرجال بسبب ملابسها. في لحظة كهذه علينا أن نسأل ما هو نوع التضامن الذي علينا تبنيه؟ ومع من؟ ماذا نريد من حلفائنا من الرجال في وقت تسود فيه ثقافة الاغتصاب المنتشرة؟ ما هو شكل هذا التضامن؟

يجب القول مقدماً أن الرؤية “المغايرة” أو”البديلة” للنسوية المقترحة في مقال مدى مصر ليست بأي شكل مختلفة أو جديدة. لطالما تم توجيه هذا النقض للنسوية لعدة عقود متتالية. لطالما كان عرض إشكالية مفهوم التنظيم حول هوية مجروحة أو ضحية كتصنيف (التي هي أساس سياسات الهوية) موجود كنقاش جار في قلب الحركة النسوية لعدة عقود متتالية. فنسويات الموجة الثالثة منذ أوئل التسعينيات رفضوا ثنائية الجندر ووجهوا أنظارهم فضلا عن ذلك لنظريات الكويير ونظرية ما بعد الاستعمار وما تنظمه النساء ذوات الأعراق المختلفة  وما بعد الحداثة وتنظيمات ضد العنصرية وسياسات التحول الجنسي كأسس للنسوية الجديدة.

الهويات السياسية في مواجهة الممارسات السياسية

إذا اتفقنا أن سياسات الهوية المصنِفّة إقصائية تؤصل طريقة تفكير تراتبية، إذا كيف يمكننا أن نفكر في النسوية؟ إن لم ننظم ونحدد الهوية حول كيان “النساء” إذا ما الذي ننظم حوله ونتفق عليه؟ من المهم هنا أن نفهم الفرق بين الهوية والممارسة. فلنتخيل النشاط النسوي غير المتمركز حول الموضوع وهو النساء وغالباً ما تكون النساء البيضاء، ولكنه متمركز حول الموضوع/المفعول به وهو الممارسة السياسية. سعت نسويات الموجة الثالثة للفصل بين الممارسة السياسية النسوية وبين التصنيف “كإمرأة”.

إن تحدي التفكير التصنيفي لا يتعارض مع النشاط النسوي؛ بل بالعكس فهو يفتح مجال تفكير جديد في إمكانيات تغيير طرق التفكير المستبدة. ليس من الممكن أن يكون هناك وصفة شاملة لعلاقة الرجال بالنسوية أو مرسوم عالمي يحدد إذا ما كنت “معنا” أو “علينا”. فالنظر إلى التجارب التي مررنا بها للمارسات الذكورية (على عكس هوياتنا كرجل مقابل إمرأة) يتيح لنا التعايش مع الفوضى والتناقضات وميوعة واقعنا، ويتيح لنا النظر بشكل مختلف للرجال الكويير والمتحولين جنسياً والنساء المتحولات جنسياً والرجال الناجين من الاعتداءات الجنسية والرجال التي عانت من الذكورية والرجال الذين استفادوا وعانوا من الذكورية في نفس الوقت.

وبالتالي تكون صورة النسوية التي ترى بعينان فضلاً عن عين واحدة التي تُذكر في المقال هي صورة مقيِّدة وتحاول أن تضغط واقع معقد وغير محدد في ثنائية بسيطة (تبسيط مخل). يجادل المقال أن المجتمع في حاجة إلى أن ينظر “بعيني الرجل والمرأة معاً” لكي يحقق الرؤية الكاملة، وهذا بدلاً من أن يكون قصير النظر أو أن يتنبى إما (وجهة) نظر النساء أو (وجهة) نظر الرجل. تحمل وجهة النظر “المتوازنة” معاني الانسجام مثل ين ويانج، حيث يتعايش الجنسين (المتساويان ولكن مختلفان) في ثنائية متابينة الجنس، متزنة ومثالية ويتمم الرجل والنساء بعضهما البعض. هذا التفكير يلغي تعدد وتنوع الجندر والجنسانية ويحددنا في ثنائية خانقة وذكورية بشكل أساسي. هذه التصنيف الثنائي المتباين بين الرجل والنساء هو في الواقع تصنيف اصطناعي يحافظ على إبقاء السلطة في يد المجموعة الأقوي، في هذه الحالة الرجال. كل هذه التصنيفات الخاصة بالجندر هي بشكل أساسي قمعية للبشر.

لا توجد عينان فحسب، بل هناك الكثير. إن ما يراه من يعاني من الذكورية يختلف عما يراه من لا يعاني من الذكورية. ما نراه نحن قد لا يوازن ولا يُكْمِل ما تراه أنت. ما نراه نابع عن خبراتنا مع القمع والعنف والتفرقة الجنسية والإقصاء والخوف. هكذا تعلمنا وهذا منبع غضبنا ولهذا وجدنا رغبة للفعل. خلفتنا هذه الخبرات وهذاالتاريخ الشخصي ضعفاء. خلفتنا غاضبين.  فهي عادة ما تكون تجارب مؤلمة من العنف والاعتداء وهي التي قادتنا إلى النسوية. هذه هي الذكريات التي تحاك لتتحول إلى السياسات النسوية. كما تذكرنا سارة أحمد أن النسوية مؤلمة (باللغة الأنجليزية).

إن التجارب القمعية التي مررنا بها ليس فقط على أيدي الذكورية فحسب وإنما من نظم قمعية متشابكة -وطنية، عنصرية، إمبريالية، طبقية، رأسمالية تعاني من رهاب المثلية ورهاب التحول الجنسي. يجب أن نسأل أنفسنا كيف تتقاطع كل هذه النظم؟ لم تكن مفآجأة أن يطلق كاتب المقال صرخة  مدوية للإدماج في وسط كل هذا الاغتراب وتحكم الفردانية النيو ليبرالية .

tumblr_static_a8m1lavamqogwow8scok44888_640_v2

السلطة والامتيازات

إذا اتفقنا على أن تصنيفات الجندر ما هي إلا منطقة يابسة ننظم ونبحث عن التضامن حولها، إذا فعلينا أن نفكر في خبراتنا وممارساتنا وأدآءنا الجندري. يجب أن نحدد من يتمتعون بامتيازات وكيف تتبلور وفي أي أوقات. إن النسوية لا تدور حول كره الرجال (بالرغم من أنه بالطبع هناك نسويات تكره الرجال) ولا تدور حول تمجيد النساء كنوع. فالأمر يتلخص في تحليل وتعريف بسيط للسلطة في أي فترة زمنية، قد يكون تعريف متحرك أو مائع أو مرتبط بمجموعة من الظروف. عن رؤية شخص يتوافق والذكورة في الشارع ونحن نعرف أنه يتجول وهو يحمل شعور بالأمن والأمان وبالأحقية بشكل لا تعرفه النساء التي تمشي بجانبه (حتى التابعات للمذاهب اليمينية والمناهضات للنسوية). هذا يعني أن كلاتنا تعيش في حدود جسدها في عالم يعرف أننا قابلات للاغتصاب. هذا لا يعني أن هذه المرأة حليفتي أو أن هذا الرجل عدوي. هذا يعني أنه يحمل شكل من أشكال الامتياز الذكوري المرتبط بأدآءة التابع للجندر الذكري. حتى وإن كانا الرجل والنساء عرضة للعدوان والعنف من قبل الدولة أو الرأسمالية أو الإمبريالية؛ ففوق كل هذا يجب على النساء أن تتعامل مع عدوان عنف الرجال بما فيهم رفقائهم من الذكور.

إن النظر للرجال جميعهم على إنهم أعداء محتملين ما هو إلا استراتيجية لضمان الأمان. إذا ما تم الهجوم علينا بشكل متكرر من نفس الكائن، أليس من الواجب علينا بالتبعية أن نتعلم أن هذا الكائن قد يكون مؤذي؟ أليس علينا أن نتصرف وكأننا تحت تهديد؟ إن الامتيازت جزء لا يتجزأ من جسد الذكر، بغض النظر عما إذا تصرفوا بناء على هذه الامتيازات بشكل ملموس أو إذا عانينا من توابعه المحسوسة. إذا فالنظر إلى كل الأجساد التي تتبنى الأداء الذكوري على إنها تهديد تساعدنا على تجنب الأذى والأمر في يد الرجال لإثبات العكس. بإمكان الرجل أن يعطيني مساحة عند دخولي المصعد كي لا أشعر بالتهديد، بإمكان الرجل أن يعبر الشارع من مكان بعيد عني في حالة وجودي في الشارع في وقت متأخر. لا تطلب مني أن أثق فيك حتى تثبت لي أنك جدير بهذه الثقة. أما الثقة فيمكن كسبها بطرق عديدة،  بعضها محسوسة وبعضها غير محسوسة.  لطالما كنا نتعامل بحذر مع الرجال الذين يتحدثون عن النسوية ممن لديهم مدخل إلى الامتياز الطبقى بالإضافة إلى مدخل إلى معلومات عن الخطاب النسوي الذي يعطيهم مصداقية في بعض الدوائر المثقفة. وفي نفس الوقت يرغمون النساء على ممارسة الجنس ويسيطرون على النقاش السياسي ويرون النساء بشكل أساسي كائن أقل من الناحية الثقافية والاجتماعية مقارنة بهم. في حين أن الرجال من الطبقة العاملة هم كبش الفداء الذي يتم مراقبته وقولبته فيما يخص التحرش الجنسي في المجال العام.   أما ما يجعلني أثق بك هو طريقة حديثك وحركتك ونظرتك لي والمساحة التي تتيحها للمرأة في محادثاتك وشكل معاملك للمرأة في حياتك عموماً.

دائما ما يُطلب ممن يعانون من الذكورية – بشكل أساسي وليس وحيد النساء-  عدم التأثر بالعنف اليومي الذي نتعرض إليه لمجرد التحرك من مكان لمكان. المطلوب مننا أن نحتفظ بهدوئنا وأن نسامح ولا نبالغ في رد الفعل أو أن نغضب دون عداوة ولا أن نفترض الأسوأ في الرجال. المطلوب مننا أن نعطي الأولوية لما هو مهم لحركتنا الفكيرة وأن نراعي الأشياء التي يمكن أن تجعلنا محبوبات أكثر ومقبولات عند الغير نسويات.

النسوية كنسخة أنثوية للنظام الذكوري   

قد تؤدي النظرة المختزلة للجندر والسلطة إلى التصنيف الخاطئ بأن النسوية والنظام الذكوري هما وجهان متعارضان لنفس العملة. وهي أن النسوية “مع النساء” والنظام الذكوري “مع الرجل” وبالتالي فإن تأييد النسوية هو نفس الشيء كالنظام الذكوري ولكن بيد النساء. النقطة الأساسية التي يفشل هذا المنطق في فهمها هي أن النسوية والنظام الذكوري ليسا أيديولوجيات متماثلة مع فرق واحد وهو الجندر. إن النظام الذكوري هو نظام متكامل من الهيمنة حيث للذكور نصيب الأسد من السلطة والقيادة السياسية والسلطة الأخلاقية والامتيازات الاجتماعية والسيطرة على الأملاك؛ وفي العائلة فللأب السلطة على الأم والأولاد. إن النسوية هي إيديولوجية تحررية تهدف إلى إسقاط هذه الهيمنة واستبدالها بالمساواة.

وحتى وإن كان هناك وجود لما يمكن تسميته “السلطوية النسوية (feminarchy)” (على خلاف النسوية) فهي ليست النسخة الأنثوي من النظام الذكوري لأنه وببساطة لا وجود لمثل هذا التماثل. فالرجال والنساء (مع اعتبار درجة تعقيد هذه التصنيفات) ليس لديهم تجارب متماثلة للقمع الجندري وبذلك فهي غير قابلة للعكس. أما التلميح على إمكانية وجود شيء كهذا هو تمليح هزلي مِثل مفهوم “العنصرية العكسية” والتي كشف الكوميديان عامر رحمان المناهض للعنصرية حقيقة هذا المفهوم بشكل ساخر. إن السلطوية النسوية أو العنصرية العكسية هما مفهومان مبنيان على إنكار كامل للتاريخ. منبعها موقف دفاعي، هذا بالرغم من أن الكثير من الرجال يزعموم أنهم أيضاً يعانون وأنهم أيضاً مقهورون. سوف تجد في أي محادثة في مجموعة عن العنف الجندري أو التعدي الجنسي، أن هناك دائماً رجلاً واحداً على الأقل يخرج بالحجة الدفاعية أن النساء أيضاً تسيء معاملة شركائهم من الرجال وأنهم يتعدون جنسياً عليهم. وبذلك يزعم أي كلام عن “الطرفين” في إطار الأزمة بين فئتي “الرجل” والنساء” أن هناك علاقة تاريخية وحديثة مبنية على المساواة وهذا ببساطة لم يحدث أبداً. كما هو الحال فيما يخص الأزمة الإسرائيلية – الفلسطينية  فأي كلام عن وجود طرفين يحتاج وبشدة إلى تعريف تاريخي للكشف عن شخصيات هذه الأطراف.

تقترح الكاتبة جيسّ زيمرمان خمس مراحل ممكنة في تطور الوعي النسوي عند الرجل. تزعم أن المسار يكون كالآتي:

  1. إن التفرقة الجنسية منطق ملفق اخترعته النسويات.
  2. التفرقة الجنسية موجودة ولكن “التفرقة الجنسية العكسية” ضد الرجال في نفس درجة السوء إن لم تكن أسوأ.
  3. التفرقة الجنسية موجودة ولكن النقطة المهمة هنا أنني لا أمارس التفرقة الجنسية.
  4. التفرقة الجنسية موجودة  وقد أكون مستفيداً منها مثلاً ولكنني لا أمارس التفرقة الجنسية.
  5. التفرقة الجنسية موجودة وأنا أستفيد منها وأحيانا يكون لا مفر من ممارسة التفرقة الجنسية لأن هذا هو عُرف المجتمع، وإذا أردت مكافحة التفرقة الجنسية إذا فعلي العمل بشكل إيجابي ضد هذا العرف الاجتماعي.

ومع العلم أن هذا قد يبدوا تعالٍ منا ولكن إذا أردنا تحديد موقع المقال من هذه النقاط فقد نجدها بين المرحلة الثانية الثالثة مع وضوح اهتمام الكاتب بآثار التداعيات السلبية “للعنصرية العكسية” على الرجال وبالأخص الرجال الذين يتعاطفون بشكل عام مع القضية النسوية. ولذلك فهو من المفهوم أن يرى الرجال النسوية عنيفة وصعبة وأنها السبب في ظهور موجة من المواقف الدفاعية كرد فعل. فأجندة الممارسة السياسية النسوية، بطبيعتها، تطلب من الرجال المستفيدين من النظام الذكوري التنازل عن شيء ما. التنازل عن رتبة السلطة والامتيازات. وهذا يعني التنازل عن هذه الميزة في هدوء – دون شكر أو تقدير دون حتى كسب إعجاب النساء لكونه “الرجل الطيب”. هذا يعني عدم السيطرة على المساحات بكل معاني الكلمة: أن تضم رجليك في المواصلات العامة، أن تفسح المجال في الحديث لأصدقاءك من النساء حتى وإن كانت لديك وجهة نظر مهمة ضرورية، أن تعترف وتتحدى كل المزايا التي تحصل عليها من عمل النساء المجاني بما فيه العمل العاطفي.

مش كل الرجالة…

unnamed

يشتكي كاتب المقال من لوم النسويات له على الجرائم الذي يعترف هو بقيام رجال آخرين بها دوناً عنه. إن هذا بشكل أساسي هو نسخة مختلفة من حجة “مش كل الرجالة” الذي انتشر في بداية الثمانينيات (أو غالباً قبل ذلك) وانتشر في عامي 2013-14 كمايم في الأنترنت. إن مقولة”مش كل الرجالة” هي أسلوب دفاعي يستخدمه الرجال (ولكن مش كل الرجالة) لمقاطعة النقاش عن القضية النسوية لتذكرة المتحدث بأن “مش كل الرجالة”  مذنبون في هذا الموضوع بعينه. ففضلاً عن التفكير في علاقتهم الشخصية مع النظام الذكوري، يغير هؤلاء الرجال مسار النقاش ليدور حول مشاعرهم وخبراتهم. إن اللجوء لهذه الحجة لا يساعدنا على محاربة السلكويات التي يقوم بها الرجال في المقام الأول ضد النساء وضد رجال آخرين. ليس كل رجل مغتصب أو شريك عنيف ولكن الأغلبية العظمى من المغتصبين والشركاء العنيفين هم من الرجال. فواقع أنه لا يرتكب هذه الأفعال جميع الرجال لا يغير شيئاً في ديناميكية الطبيعة الجندرية لهذه الأفعال. النقطة الأهم هنا هي أنه قد لا يرتكب جميع الرجال  جرائم جندرية مثل الاغتصاب والاعتداء الجنسي ولكن جميع الرجال يستفيدون بطرق مختلفة. وهذا هو بالضبط ما يصعب على المتعاطفين مع النسوية من الرجال الاعتراف به.

وأشارت جيس زيمرمان أن حجة “مش كل الرجالة” يمكن أعتبارها جزء من مفهوم الشرح على الطريقة الذكورية (mansplaining). يستخدم هذا المصطلح لوصف الموقف الذي يشرح فيه الرجل شيئاً ما (عادة) لإمرأة بطريقة متعالية، بها تحقير، بغض النظر عن مستوى علم وخبرات الطرفان. وعادة ما يستخدم هذا المصطلح عندما يقوم الرجل بشرح شيء لمرأة هي ملمة به أكثر منه. إن حجة “مش كل الرجالة” يمكن اعتبارها شكل من أشكال الـmansplaining حينما يعطي الرجل وجهة نظره هو الأولوية في شرحه للمرأة كيفية عمل القهر الذكوري.

كيف تكون حليفاً؟

heshmat

إذا كانت حجة “مش كل الرجال” غير مجدية فما نوع المشاركة التي يمكن للحلفاء من الرجال التقدم بها؟ ما هو الحليف؟ وما شكل هذا التحالف؟ إن الحليف هو بالتأكيد ليس الشخص الذي يملي على النسويات كيفية وضع أهدافهم وكيفية جذب المضطهِد إلى الحركة. ليس على المضطَهَد أن يُسَهِّل ويُهَيِّء الطريق للمضطهِد للانضمام إلى الحركة. فلنتخيل للحظة شخص أبيض/قوقازي يكتب مانيفستو يوضح فيه إحساسه بالإقصاء بسبب التنظيم السياسي من ناحية غير الأعراق الأخرى، مقدماً النصيحة لكيفية جعل الحركات المناهضة للعنصرية أقل ترهيباً للقوقازيين. أو مثلا مانيفستو أبيض/قوقازي “مناهض للعنصرية” يلوم الأعراق الأخرى لموقفهم المضطَّهَد. هناك العديد من الأماكن التي يمكن اللجوء إليها لكي تكون حليفاً والأهم من ذلك أن تعرف كيفية تفادي أن لا تكون حليفاً.

أما عن النقد الخاص بالنساء اللاتي تتبني النظام الذكوري. ليس هذا اكتشاف جديد قام به الرجال ولكنها مشكلة تناقشها النسويات منذ عقود.لا أعرف أي نوع من النسوية لا يلوم النساء عندما يتبنين الثقافة الذكورية. إن النساء لسن منفصلات عن تركيبة السلطة الذكورية المهيمنة وإنه من المهم بحث الطرق التي تساعد بها النساء الثقافة الذكورية وُتبقْيِ عليها.

دعنا نفكر في السبب الذي يجعل الأم تربي أولادها على القيم الذكورية. أولاً: أن النساء هن المسؤلات بالمقام الأول عن رعاية الأطفال. هن الراعيات الأساسيات ويلعبن دور مهم في دمج أولادهن في المجتمع وتقديمهم إليه. ثانياً: يفرض الأب والأم السيطرة الذكورية على الأولاد في حدود مجتمع متباين الجنس وعائلة تقليدية لكي يضمنوا نجاح أولادهم في المجتمع الذكوري. لماذا تقوم النساء بعمليات الختان لبناتهم؟ يريدن أن يوزوجوهن لأنهن تربين على أن تكون أعضا ء الأنثى التانسلية المضطربة أضيق وأكثر نظافة وأن تُخْتَزَل لتقليل الرغبة والمتعة الجنسية. من المستفيد من هذا؟ في مصلحة من؟ في الوقت الذي تربي الأم الأولاد على السيطرة والبنات على الاستسلام، علينا أن نحلل ديناميكيات السلطة للسياق الأوسع لنفهم السبب.

لقد تربينا على طرق التفكير القهرية. كيف يكون ضباط الشرطة الذين يقتلون الشباب من أصول أفريقية في الولايت المتحدة الأمريكية ليسوا فقط قوقازيون ولكن أيضاً من أصول أفريقية؟ لماذا لا يوجد أي نوع من أنواع التضامن بين الضباط من أصول إفريقية والشباب من أصول إفريقية؟ هذا بسبب تربيتنا التي أدت بنا إلى الاعتقاد أن الشباب من الأصول الإفريقية يمثلون تهديد وأنهم يميلون للعنف ولهذا فهم يستحقون القتل. وفي مصر، لماذا يوجه مجندو الشرطة والجيش أسلحتهم تجاه من يثورون ضد الظروف التي أدت بهم إلى الوجود في هذا الوضع الغير آدمي؟ لمذا لا يوجهون أسلحتهم للمسئولين عن وضعهم هذا- الدولة والجيش والضباط ورجال الأعمال الفاسدين المتمتعين بالامتيازات؟ لأنهم تربوا وتدربوا على خدمة منطق قومي، طبقي ومادي وُجِد ليبقيهم فقراء ومقهورين.

وفي مواجهة هذا السياق الاجتماعي، هناك مجهود يجب أن يبذل ليس فقط في شكل تصريحات. أن تكون حليفاً لا يمكن أن يتعلق فقط بمشاعرك. أن تكون حليفاً لا يتعلق بتجاهل الفروقات والقوى الحاضرة والامتيازات المرتبطة بهذه الفروقات. إن المطلوب هنا هو الاعتراف الامتيازات الموجودة في الحياة اليومية فيما يخص السياسات الصغيرة للسلطة والعمل ضدها على قدر الإمكان. لا يمكن لنا أن ننكر الامتيازات التي نحملها في أجسادنا- الامتيازات التي يتمتع بها الرجال والقوقازيون والطبقات الغنية ومتبايني الجنس ومعافو الجسد. يجب أن نعترف بأشكال الامتيازات التي نظفر بها على حسب أجسادنا ومراكزنا، وتراكم هذه الامتيازات ليس فقط على المستوى الشخصي ولكن أيضاً على المستوى الهيكلي.

أن تكون حليفاً لا يتعلق فقط بالإنصات. أي شخص يزعم أنه حليف يجب أن يكون مسئولاً بدرجة ما. إذا أردت أن تكون حليفاً للنسويات فعليك أن تعلم أن النسويات سوف يحملونك جزء من المسئولية. والأهم هنا هو رد فعلك عندما يقمن فعلياً بتحميلك المسئولية. على الحلفاء أن يكونوا قادرين على توضيح شكل استفادتهم من الامتيازات أثناء قهر الآخرين. هذا يعني للكثيرين أن يكتشفوا الطرق التي نكون فيها جميعاً قاهرين ومقهورين في نفس الوقت. هذا يعني أيضاً أنك لو تقبلت حقيقية استفادتك من امتيازات النظام الذكوري أنه سوف يتم إقصاءك أحياناً من النسوية. هذا هو ما يحدث عندما تتنازل عن الامتيازات.

إن بدى لك التنازل عن الامتيازات كنوع من أنواع التطرف وأن النسويات قد تمادين في هذا الطلب، قد يكون السبب أن النسوية غير مناسبة لك. ففي واقع الأمر أن الخطاب النسوي لا يحاول أن يُروِج للحركة أو للأيديولوجية ليصبح مقبولاً لمعارضيه أو لقاهريه. فالأجندات الراديكالية المطالبة بالتغيير لا تسعى إلى أن تكون إصلاحية أو شعبوية. إن الخطاب الراديكالي يسعى إلى زحزحة المركز وإلى صياغة الممكن قوله أو تخيله بعيداً عن الأجندة الليبرالية الإصلاحية.

(** ثقافة الاغتصاب هو مصطلح مستخدم التقبل المستمر وتحييد الاغتصاب والعنف ضد النساء بسبب اعتقادات معينة تخص الجندر والجنسانية. ففي ثقافة الاغتصاب يعد استمرار وجود الاغتصاب هو “شيء لا مفر منه”. من ثقافة الاغتصاب أيضاً لوم الضحية وتشييء النساء جنسياً وإنكار انتشار الاغتصاب والعنف ضد النساء وتتفيه الاغتصاب ورفض الاعتراف بأضرار بعض أشكال العنف الجنسي. ففي ثقافة الاغتصاب يحاط الأشخاص بصور ولغة وقانون وعادات يومية وتصريحات تصدّق على الاغتصاب. تتضمن ثقافة الاغتصاب أيضاً على النكات والعروض التليفيزيونية ةالموسيقى والأعلانات والقوانين والكلمات والصور التي تضع الاغتصاب والعنف ضد النساء والإجبار الجنسي في إطار المقبول. لمزيد من المعلومات عن ثقافة الاغتصاب، اضغط هنا FORCE.)

21-times-the-powerpuff-girls-smashed-the-patriarc-1-15687-1393279076-14_big

شكراً للمترجمة المجهولة

————————————————————————————————-

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s